الأحد، 10 يونيو 2012

تضامن العجز؟

درجت لدى شبابنا هذه الأيام عادة انتقاد مايقوم به الجالسون خلف شاشات الكومبيوتر ليتضامنوا بكل الوسائل الممكنة مع القضايا التي تشغلهم ولاسيما السياسية منها، وأذكر من هذه الوسائل التضامنية تغيير صورة “البروفايل” أي الصفحة الشخصية على الفيسبوك، كتابة كلمات تعبر عن الألم أو القهر أو التضامن أوالمطالبة بأحد أو مطلب ما.

وقد استغربت جداً هذه الانتقادات لاسيما في حالة محددة وهي التضامن مع الأسرى الفلسطينيين المضربين عن الطعام التي عمت ملايين الصفحات الشخصية على الفيسبوك، سواء بصورة أو بكلمة أو بمعلومات عن الإضراب عن الطعام وآثاره على الجسم البشري. والسبب أنني لا أعتقد أن من قام بذلك كان أمام خيارين إما أن يفعل شيئاً فعلياً لإنقاذ المضربين أو أن يغير صورة بروفايله فاختار الخيار الثاني، فيما أن الواقع يقول إما أن تغير صورتك أو أن تصمت، أو أن تضرب عن الطعام في منزلك وتموت جوعاً من التضامن دون أن يدري بك أحد.

وتتصاعد هذه الانتقادات لمن لم يتخذ موقفاً إلى جانب الشعب السوري إلا افتراضياً، وهنا أذكر مثلاً حكاه لي أحد الأصدقاء الذي كان يصلي يوم الجمعة، إذ وبعد انتهاء الصلاة أشار الإمام إلى أحد أبواب المسجد وقال: هذا الباب هو باب “الموت ولا المذلة”، ثم أشار إلى أخر وتابع: “وهذا الباب لايكلف الله نفساً إلا وسعها”، بالنسبة لي شخصياً الموضوع بهذه البساطة، وبالمقابل لا أظن أن من خرج من الباب الثاني خرج مرتاح الضمير، إلا أن انتقادات الشباب تحرم الخارج من الباب الثاني حق تعبيره عن مساندته لشعب بلاده وإن بأبسط الطرق، وتكلف كل النفوس مالاطاقة لها على احتماله، وبالتالي ينفرون أشخاصاً يملكون من الحب والتعاطف مايحق لهم أن يعبروا عنه بالطريقة التي تناسبهم.

إن الشباب السوري انتفض رفضاً للوصاية، فلم يسمح البعض لأنفسهم بأن يكونوا أوصياء على طرق التعبير التي يختارها الآخرون لأنفسهم؟ ولم يفترضون أن مايحملونه هم مشكورين من كل “المتضامنين” يستطيع أي كان حمله؟

يضاف إلى ذلك فكرة مهمة، وهي أن لكل إنسان دور ومكان، وهو يؤدي هذا الدور بطواعية وسعادة إلا إذا فرض عليه فرضاً، فكما كان جنودنا البواسل يحاربون العدو الصهيوني على الجبهة يوماً كان هناك آخرون يقومون بأدوار أخرى، ولم يلم كل الشعب على أنه لم يذهب إلى الجبهة ولم يحارب.

أعتقد أن قبول الرأي الآخر والاختلاف يبدأ من هنا، يبدأ من الإيمان بأن كل إنسان يؤدي دوره في المكان الذي يختاره هو، ونتيجة لذلك يكون مسؤولاً عن تحمل تبعات هذا الخيار تماماً. ولو أن أياً من “المتضامنين” وجد في نفسه إمكانية القيام بأكثر مما يقوم به كان سيفعله بلاشك، ويحق للإنسان أن يقوده ضميره وأخلاقه نحو أداء مايستطيع فعله لا أكثر ولا أقل..

وفي النهاية، لا يكلف الله نفساً إلا وسعها….

الاثنين، 14 مايو 2012

السعادة

 

لطالما لفتني في بلادنا أن مفهوم الحزن واضح المعالم وحاضر ومعرف أكثر بكثير من مفهوم السعادة، ويتوضح ذلك بالعودة إلى مناطق معينة من سورية تنحدر منها أصول عائلتي.

مدينة صغيرة حزينة على ضفاف الفرات في الشمال الشرقي من سوريا تدعى الميادين، في تلك المدينة يتوافق الموت مع مزاج الناس ويعيشون تفاصيل حياتهم من خلاله،فعندما يتوفى شخص ما يتم الالتزام بالحزن عليه لفترة طويلة فيما تمر أفراح العائلة مرور الكرام وبسرعة، ويترافق ذلك مع تذكر الأشخاص المتوفين في الأفراح والشعور بأن السعادة منقوصة لأنهم ماتوا أو غابوا. ويضاف إلى ذلك أن لحظات الفرح التي يتم تذكرها في المستقبل لابد أن تكون كبيرة، فيما يتم التمسك بالأحزان الصغيرة دون نسيان تفاصيلها، فهجرة أحد أفراد العائلة لابد أن يمر ذكره في كل ليلة تجتمع فيها الأسرة على مائدة الطعام أو عندما يسهرون معاً تحت أشجار النخيل في حوش المنزل.

ولابد من الإشارة هنا إلى الطقوس المسرحية التي ترافق العزاء والتي كانت حتى عهد قريب تتمثل باللطم والبكاء الهستيري. في حين من اللافت أنه لاتوجد طقوس ترافق المناسبات السعيدة.

ومما شغلني دوماً، قيام الناس في بلادنا في أول أيام عيدي الفطر والأضحى بزيارة المقابر إشارة إلى تذكر الأموات. التي يراها الكثيرون لفتة لطيفة وواجباً لابد منه ولكنني لطالما شعرت بأنها تمنح العيد كله شعوراً مقبضاً فهناك دوماً شخص ناقص.

كنت محظوظة بصغري بأم علمتني الاستمتاع بالمتع الصغيرة وتثبيت لحظات السعادة مهما كانت خاطفة وقصيرة في ذاكرتي واستعادتها متى أردت. فقد تعلمت أن الأحزان في هذه البلاد دوماً موجودة لذا يجب على من يحلم بالسعادة أن يتمسك بها عندما يحصل عليها مهما كان شكلها: حبيب يحبك ويخشى عليك، صديق يمتاز بالاسمتاع الجيد، رحلة إلى معلم سياحي كانت مسلية، طعام لذيذ .. إلخ

يبقى السؤال الذي يشغلني هو: ترى كيف نستطيع في بلاد أثقل كاهل مواطنيها بالفقر والقهر ,والظلم والقمع أن نحتفظ بسعادة اللحظات القليلة التي حملت لنا ضحكة أوابتسامة أوقلباً طافحاً بالحب؟

أعتقد أن الإجابة تكمن في وجوه وقلوب الشباب السوري المتمسك بالحياة، وبالطيبة التي تملأ نفوس أمهاته، وفي الفن الذي يصر على نقل صورة الصادق والجميل فينا دوماً...

ثقافة الإقصاء

 

منذ أشهر وأنا أتابع بحماسة الكثير من النقاشات التي تدور على صفحات الفيسبوك بين الشباب. والذي وبارتفاع السقف التدريجي وبعد كل الأحداث التي مرت على سورية أصبح لديه الكثير والكثير من الأسئلة التي يبحث لها عن إجابات.

بعضها أسئلة طارئة تتعلق بما حدث اليوم أو البارحة، وبعضها الآخر يتعلق بالمبادئ السياسية والعمل السياسي التي لم يخطر لأحدهم أنه سيحتاجها يوماً، وبعضها الأخير أسئلة كبرى عامة عن الوطن الذي يحلمون به.

ولابد من الإشارة إلى أنني أتحدث هنا عن نقاشات بين شباب يتخذون نفس الموقف مما يجري، لأن النقاش بين الموقفين المتناقضين أصبح وللأمانة إن لم يكن مضيعة للوقت فهو أسرع وأكثر الطرق فاعلية للتشاتم وتلقي التهم الجاهزة المقولبة.

وقد لاحظت عبر مراقبتي لتلك النقاشات أمراً استوقفني، وهو أن النقاشات غالباً تصل إلى مكان مسدود بسبب قناعة كل من المتناقشين بأنه على حق قبل بداية النقاش أصلاً ورغبته في فرض وجهة نظره على الآخرين من حيث المبدأ، يضاف إلى ذلك أن من يتناول موضوعاً حساساً أو يطرح نقطة يتجنبها الجميع يقابل في أحسن الأحوال بالسخرية والاستهزاء من "سذاجته" وفي أسوأ الأحوال يشتم "وتمسح فيه الأراضي".

وعندما يحتج أحد أصحاب الخبرة في الحوار أو ربما بعض الصبورين على طريقة التحاور، ويوضح أن الخلاف لايفسد للود قضية وأن ثقافة الاختلاف لابد أن تكون قائمة على سماع الآخر دون إلغائه يواقفه الجميع، ويضعون ألف "لايك" على تعليقه.

لم طرحت كل هذا الموضوع وبمقدمة طويلة؟

لأنني ممن يؤمنون بضرورة سماع الآخرين وأقول أنني أستطيع التوافق مع الجميع وتفهم مواقفهم، ولكنني بالمقابل ما إن أقرر الدخول في نقاش حتى أغضب و"انحمق" وأبدأ بمحاولة ترتيب أفكاري قبل أن أكتب رأياً أتهجم فيه على الآخرين لكنني في معظم الأحيان أفشل في كبح استفزازي وأكتب تعليقاً ثم أشطبه ندماً.

وأسوق هنا مثلاً مر عليه الآن بعض الوقت، فقد قرأت في أحد المجموعات سؤالاً طرحه أحد الأعضاء على استحياء ومسبوقاً باعتذار حول انسحاب الأكراد من مؤتمر اسطنبول وأنه لم يكن يعرف أن اسم الجمهورية يشكل مشكلة بالنسبة لهم. وهنا دخلت إحدى الصديقات وكتبت جواباً استوقفني جداً ولا أذكره حرفياً لكن خلاصته كانت: بدنا نرجع كم شهر لورا هي مواضيع ناقشناها وخلصنا منها من زمان. وهو جواب على السؤال وجدته شديد الإلغائية. لأن الشاب لم يكن موجوداً عندما تم النقاش وانتهى ولم يخبره أحد بما "قرروه" والأهم من هم "هؤلاء" الذين يقررون ويتفقون؟

لاشك أننا قطعنا شوطاً كبيراً وفي زمن قياسي بالوعي وانطلاق النقاش والسؤال الذي أبحث عن إجابة له هنا هو: هل من الضروري أن نتخلص من إقصائيتنا الطاغية؟ أم أن تصادم الأفكار المتناقضة والغاضبة يمكن أن ينتج أفكاراً جديدة؟  وهنا لابد أن أذكر أن بعض الشباب يختلفون اختلافاً شديداً ويتصايحون ويشتمون بعضهم ومن ثم يكملون حياتهم وصداقاتهم بشكل طبيعي بعد دقائق على النقاش.. إذاً قد يكون كل هذا القلق من ضرورة القبول بالرأي الآخر لاضرورة له، في حال قبول الآخر نفسه، ولعل هذا هو جوهر  مقولة الخلاف لايفسد للود قضية…

السبت، 31 مارس 2012

الدراما السورية اليوم: نظرة سريعة

في ظل كل  مامرت وتمر به سوريا اليوم، لابد لنا من إعادة النظر بكل مناحي حياتنا، وإعادة تشكيلها. ومنها: الدراما السورية.
تعاني الدراما السورية اليوم من أزمة، ولابد من الاعتراف بذلك قبل أن يفوت الأوان.
تتمظهر هذه الأزمة في مختلف الأشكال والأوجه، وتبدأ من مرحلة اختيار النصوص التي سيتم إنتاجها مروراً بمرحلة التنفيذ وانتهاء بما يعرض على الشاشة.
عندما عدت لمشاهدة الأعمال التي أعدها نقاط تحول حقيقية في مسار الدراما السورية منذ فترة قريبة لفتتني عدة أمور منها:
أولاً: أن المشاريع كانت تنتمي لأصحابها وهم بالدرجة الأولى المخرج والكاتب.
ثانياً:إيمان وتبني كل العاملين في العمل للمشروع واستعدادهم لعمل المستحيل من أجل تحقيقه، وذلك ليس لأنني أعرف تفاصيل إنجاز هذه الأعمال بل لأن هذه الروح تظهر من خلف المشاهد المقدمة في كل عمل منها.
ثالثاً: إحساس المشاركين بالعمل بأنهم يقومون بفعل مهم وهو خلق صناعة الدراما السورية ومايرافق ذلك من ترقب لما سيحققه العمل.
رابعاً: إن منطق العمل الدرامي الذي لم تنظمه قوانين مهنية ضابطة  أشعر الجميع أنهم أصحاب حصة في المشروع المقدم.
ومن هنا يمكنني النفاذ إلى ما أعتقد أنه لب الأزمة التي تعيشها درامانا:
أولاً: معظم النصوص التي أنتجت في السنوات الأخيرة كانت شركات الإنتاج قد اشترتها ثم فرضتها على المخرجين.
ثانياً: عمل البعض في مسلسلات هم غير مقتنعين بها لأسباب شتى وعلى رأسها النقود أو”التخجيل”.
ثالثاً: إحساس يرافق العاملين في الأعمال بأنهم يعرفون مصيرها قبل أن تعرض لأنها تباع لقناة محددة ويستطيع العامل في الوسط أن يتوقع رد الفعل على العمل قبل أن يعرض بسبب العاملين التسويقي والإعلاني اللذين لايمكن إنكار دورهما.
رابعاً: عندما انتقلنا بعملنا الدرامي من مرحلة البدايات والتضحيات والتأسيس وزادت كثافة الإنتاج، كان لابد من التحول إلى منطق جديد قائم على المهنية البحتة، وهنا حدث الخلل، إذ  لم تتحول كل الصناعة الدرامية إلى صناعة ذات تقاليد مهنية صارمة، وظل طابع “تبويس الشوارب والزرع بالذقون” قائماً في بعض مناحيها ولاسيما في العلاقة بين الفريق الإخراجي والفريق الإنتاجي فيما اتسمت القواعد المهنية بالصرامة في تفاصيل جانبية وغير جوهرية كأن يرفض ممثل تصوير مشاهده إن لم يقبض استحقاقاته المالية أو أن يرفض أحد الفنيين العمل بعد الساعات المحددة ولو دقائق إضافية وكلاهما محق بالمناسبة، ولكن المهنية تفترض أن يكون الأساس صحيحاً مما يصلح تفاصيل كالتي ذكرتها تلقائياً.
فماهو هذا الأساس؟
إن الإجابة على سؤال كهذا تتطلب بحثاً معمقاً وطويلاً.. ولكن إن أردنا البدء بوضع حجر الأساس فيمكن القول أن أول مايجب أن يحدث هو إعادة المشاريع إلى أصحابها وإخراج المال من المعادلة الفكرية، إذ يحق للممول أن يطالب الكاتب والمخرج بمشروع ناجح يدر عليه الأرباح ولكن تنفيذ ذلك يجب أن يكون منوطاً بالقائمين على العمل، وهنا لابد من الإشارة إلى ضرورة فصل الممول عن المنتج كما في كل العالم، فالمنتج هو جزء من العملية الفنية ويجب أن يكون ملماً بالتفاصيل الفنية والفكرية أما الممول فهو صاحب المال المستثمر ويفترض أن يكون المنتج أو المنتج الفني محسوباً على فريق العمل وليس على هذا الممول.
إن عملية الإنتاج عملية معقدة تحتاج إلى دراية مالية واقتصادية ولكنها قبل ذلك تحتاج إلى إلمام فني وسيكولوجي. فالمنتج يتعامل مع كل أصناف العاملين في الوسط الإبداعي والذين تترافق مواهبهم أحياناً مع مزاجية أو طباع خاصة عليه أن يستوعبها.
أما الخطوة التالية فهي توضيح مهام الفنيين العاملين في الدراما وفصلها بشكل دقيق، فكثيراً ما تحدث أخطاء لايمكن تحديد المسؤول عنها، ويرتبط بذلك تحديد حد أدنى للأجور حتى لا تستطيع الشركة المنتجة الإتيان بالأرخص أجراً حتى وإن كانت خبرته معدومة، والعمل على ردم الهوة السحيقة بين أجور الفنيين والممثلين حتى لايشعر الفني طوال العمل أن حقه وجهده لايساويان عند الجهة المنتجة عشر وأحياناً واحد إلى مئة من أجر النجم.
ولابد لنا من التوقف عند نقطة النصوص والمواضيع التي تطرحها، ولعل أبرز سمات الدراما الاجتماعية هي التكرار الهائل للمواضيع وحتى للبنى الدرامية والحبكات، فكم عملاً نستطيع أن نتذكر عن عائلة من الطبقة الوسطى تكافح للبقاء في موضعها الاجتماعي مع تدهور وضعها الاقتصادي وتورط الأبناء في مشكلات شتى وإخفائهم ذلك عن الأم والأب الغارقين في همومهما، أو كم مسلسلاً يمكن أن نصادف فيهم نفس نماذج الشخصيات –وهذه ليست مشكلة كبيرة- معالجة بنفس الطريقة تماماً –وهذه هي الأزمة-. ناهيك عن نصوص كثيرة توافرت فيها الحكاية الدرامية المناسبة وبنية الشخصيات المشوقة وافتقد كتابها للصنعة والحرفة لتحويلها إلى نصوص جيدة. أما موضوع الجرأة والالتفاف على الرقابة فأنا شخصياً أجد أن هذا النقاش لن يحسم إلا بإلغاء فكرة الرقابة من أساسها واعتماد التصنيف العمري للمشاهدة والسماح لكل من يحمل وجهة نظر أن يطرحها ويمكن لمن لايوافق عليها إما أن يرد عليها بعمل فني أوأن لا يشاهدها.
أما عند التنفيذ فأجد من الضروري أن يحدد حد أدنى للزمن الذي تنجز فيه الحلقة التلفزيونية حتى يتوقف السباق المحموم على تسجيل أرقام قياسية في إنجاز الأعمال بسرعة تكاد تكون لاتصدق، وحتى لايحرم بعض المخرجين من تقديم أعمالهم وأفكارهم وإضافة بصمتهم للدراما السورية فقط لأنهم “أبطأ” من غيرهم. وأن تحدد ساعات العمل بشكل دقيق حتى لايعمل أي فريق أكثر من غيره، وأن تتوفر ظروف مريحة وإنسانية للعاملين في المسلسلات، سواء من حيث الطعام أو أماكن الاستراحة، فمن غير المعقول أن يشكل وجود فني نباتي أزمة يومية في عمل ما.
وعند الحديث عن الشروط الإنسانية وعدم امتهان الكرامات، يتبادر إلى ذهني فوراً الكومبارس، هؤلاء المساكين، مهضومي الحقوق، تخيل نفسك تعمل يومياً لمدة 14 ساعة وأحياناً أكثر، بأجر لايفوق ال500 ليرة متضمنة عمولة المسؤول عن الكومبارس، ومطلوب منك أن تكون إيجابياً وملتزماً بالتعليمات وتعرف كيف تمثل وتتفاعل وليس لك بالمقابل أي حق إلا أن تقبل بأن تكون “ملطشة” الجميع.
تعاني الدراما السورية أزمة أخرى مرتبطة بالتنفيذ وهي الفرق الشاسع بين مستوى الصورة ومستوى الصوت، فمستوى الصورة المقدم في الدراما السورية في تطور مستمر ويتم إيلاء الإضاءة والجوانب البصرية التقنية منها والفنية اعتناء شديداً، أما الصوت فهو مكمل لابد منه، لا أكثر ولا أقل، والدليل أن الكثير من مشرفي الصوت لايجدون ضرورة لحمل “البوم” أي الميكرفون في المشاهد الصامتة ويكتفون بصوت ميكرفون الكاميرا. والصوت في درامانا يعني الحوار، فيما يعني أمراً آخر مختلفاً في العالم، فالصوت له بنية وأحياناً تفوق عملياته الفنية اللاحقة للتصوير تعقيد العمليات اللاحقة التي تنفذ على الصورة.
أما بنية المسلسل الدرامي التي فرضت علينا فرضاً لتباع المسلسلات في شهر رمضان حين ترتفع أسعار البيع، والتي عانى منها كتاب الدراما السورية طويلاً إلى أن اكتسب كثير منهم تكنيك الشط والمط، فقد أفقدت كثيراً من الأفكار والمشاريع قيمتها وحرمت مشاريع أخرى من رؤية النور. وإن من الضروري إعادة إحياء مفهوم السهرة التلفزيونية أو الفيلم التلفزيوني وكذلك أن يحكم عدد حلقات المسلسل الحكاية التي يحملها الكاتب في جعبته وأن ينتهي عند انتهائها سواء بحلقة أم بمئة.
في كل أنحاء العالم تقريباً، أصبح بالإمكان إحصاء عدد مشاهدي العمل التلفزيوني، وفي بعض الدول يمكن معرفة عدد المسجلين الذين يشاهدون الحلقة بعد عرضها، وهذا الإحصاء ضروري لمعرفة أهواء الجمهور الحقيقية، وأمزجتهم وميلهم لنوع درامي دون آخر، بالإضافة إلى إمكانية استفتاء الجمهور بالمواضيع التي يرغبون بمشاهدتها من خلال إنجاز حلقات تجريبية “بايلوت” وعرضها على شريحة من الجمهور وتلقي ردود فعلها، وبذلك نتخلص من ظاهرتين: الأولى أن كل أعمال الدراما السورية التي تنتج حصلت حسب صناعها على أعلى نسبة مشاهدة، والثانية هي أن النصوص تنتقى بناء على أن “الجمهور عايز كده” أو أن المواضيع تتكرر لأن الناس تحبها.
ونصل إلى نقطة النهاية وهي البيع والتسويق والتوزيع، وأول نقطة لابد من الاتفاق عليها هو وجود حد أدنى لسعر الحلقة التلفزيونية لإيقاف سوق المضاربة، وثانيها إيجاد سوق محلية لعرض الأعمال السورية تخلص الدراما من تحكم السوق الخارجي بها عن طريق فتح الباب على مصراعيه أمام تأسيس قنوات سورية خاصة تشكل نواة هذه السوق.
وعموماً تبقى كل نقطة من هذه النقاط بحاجة إلى بحث وتمحيص، ولكن كان لابد من فتح الباب أما نقاش وضع الدراما الحالي، أملاً بتحقيق الأفضل والأكمل.

حلم

حلم ببلاد يتعلم فيها الأطفال كيف يعبرون عن أنفسهم بالألوان والكلمات.

أحلم ببلاد لايخاف الناس فيها من قول رأيهم.

أحلم ببلاد لا يتلفت فيها حوله من يريد أن يحكي لأصدقائه قصة.

أحلم ببلاد لاتوجد فيها كلمات مثل "عفطوه، أخدوه، عذبوه، مامنعرف وينه".

أحلم ببلاد يكون فيها للكل بقدر مايعطون.

أحلم ببلاد يعمل كل من فيها لأجلها ولأجلها فقط.

أحلم ببلاد شبابها يبنيها لايقصى منها.

أحلم ببلاد تحرر فلسطين وتعيدها لأهلها.

أحلم ببلاد تشرب فيها قهوة الصباح مع أصدقائك في الجولان ثم تعود إلى بيتك.

أحلم ببلاد يعمل فيها كل إنسان عملاً يحبه.

أحلم ببلاد لافقر فيها ولاجوع.

أحلم ببلاد يأكل فيها كل الناس كفايتهم.

أحلم ببلاد لايعمل فيها طفل أجيراً.

أحلم ببلاد يتساوى فيها كل الناس أمام القانون.

أحلم ببلاد بلا مسؤولين فقط شعوب.

أحلم ببلاد لاممنوع فيها.

أحلم ببلاد ..

أحلم..