السبت، 31 مارس 2012

الدراما السورية اليوم: نظرة سريعة

في ظل كل  مامرت وتمر به سوريا اليوم، لابد لنا من إعادة النظر بكل مناحي حياتنا، وإعادة تشكيلها. ومنها: الدراما السورية.
تعاني الدراما السورية اليوم من أزمة، ولابد من الاعتراف بذلك قبل أن يفوت الأوان.
تتمظهر هذه الأزمة في مختلف الأشكال والأوجه، وتبدأ من مرحلة اختيار النصوص التي سيتم إنتاجها مروراً بمرحلة التنفيذ وانتهاء بما يعرض على الشاشة.
عندما عدت لمشاهدة الأعمال التي أعدها نقاط تحول حقيقية في مسار الدراما السورية منذ فترة قريبة لفتتني عدة أمور منها:
أولاً: أن المشاريع كانت تنتمي لأصحابها وهم بالدرجة الأولى المخرج والكاتب.
ثانياً:إيمان وتبني كل العاملين في العمل للمشروع واستعدادهم لعمل المستحيل من أجل تحقيقه، وذلك ليس لأنني أعرف تفاصيل إنجاز هذه الأعمال بل لأن هذه الروح تظهر من خلف المشاهد المقدمة في كل عمل منها.
ثالثاً: إحساس المشاركين بالعمل بأنهم يقومون بفعل مهم وهو خلق صناعة الدراما السورية ومايرافق ذلك من ترقب لما سيحققه العمل.
رابعاً: إن منطق العمل الدرامي الذي لم تنظمه قوانين مهنية ضابطة  أشعر الجميع أنهم أصحاب حصة في المشروع المقدم.
ومن هنا يمكنني النفاذ إلى ما أعتقد أنه لب الأزمة التي تعيشها درامانا:
أولاً: معظم النصوص التي أنتجت في السنوات الأخيرة كانت شركات الإنتاج قد اشترتها ثم فرضتها على المخرجين.
ثانياً: عمل البعض في مسلسلات هم غير مقتنعين بها لأسباب شتى وعلى رأسها النقود أو”التخجيل”.
ثالثاً: إحساس يرافق العاملين في الأعمال بأنهم يعرفون مصيرها قبل أن تعرض لأنها تباع لقناة محددة ويستطيع العامل في الوسط أن يتوقع رد الفعل على العمل قبل أن يعرض بسبب العاملين التسويقي والإعلاني اللذين لايمكن إنكار دورهما.
رابعاً: عندما انتقلنا بعملنا الدرامي من مرحلة البدايات والتضحيات والتأسيس وزادت كثافة الإنتاج، كان لابد من التحول إلى منطق جديد قائم على المهنية البحتة، وهنا حدث الخلل، إذ  لم تتحول كل الصناعة الدرامية إلى صناعة ذات تقاليد مهنية صارمة، وظل طابع “تبويس الشوارب والزرع بالذقون” قائماً في بعض مناحيها ولاسيما في العلاقة بين الفريق الإخراجي والفريق الإنتاجي فيما اتسمت القواعد المهنية بالصرامة في تفاصيل جانبية وغير جوهرية كأن يرفض ممثل تصوير مشاهده إن لم يقبض استحقاقاته المالية أو أن يرفض أحد الفنيين العمل بعد الساعات المحددة ولو دقائق إضافية وكلاهما محق بالمناسبة، ولكن المهنية تفترض أن يكون الأساس صحيحاً مما يصلح تفاصيل كالتي ذكرتها تلقائياً.
فماهو هذا الأساس؟
إن الإجابة على سؤال كهذا تتطلب بحثاً معمقاً وطويلاً.. ولكن إن أردنا البدء بوضع حجر الأساس فيمكن القول أن أول مايجب أن يحدث هو إعادة المشاريع إلى أصحابها وإخراج المال من المعادلة الفكرية، إذ يحق للممول أن يطالب الكاتب والمخرج بمشروع ناجح يدر عليه الأرباح ولكن تنفيذ ذلك يجب أن يكون منوطاً بالقائمين على العمل، وهنا لابد من الإشارة إلى ضرورة فصل الممول عن المنتج كما في كل العالم، فالمنتج هو جزء من العملية الفنية ويجب أن يكون ملماً بالتفاصيل الفنية والفكرية أما الممول فهو صاحب المال المستثمر ويفترض أن يكون المنتج أو المنتج الفني محسوباً على فريق العمل وليس على هذا الممول.
إن عملية الإنتاج عملية معقدة تحتاج إلى دراية مالية واقتصادية ولكنها قبل ذلك تحتاج إلى إلمام فني وسيكولوجي. فالمنتج يتعامل مع كل أصناف العاملين في الوسط الإبداعي والذين تترافق مواهبهم أحياناً مع مزاجية أو طباع خاصة عليه أن يستوعبها.
أما الخطوة التالية فهي توضيح مهام الفنيين العاملين في الدراما وفصلها بشكل دقيق، فكثيراً ما تحدث أخطاء لايمكن تحديد المسؤول عنها، ويرتبط بذلك تحديد حد أدنى للأجور حتى لا تستطيع الشركة المنتجة الإتيان بالأرخص أجراً حتى وإن كانت خبرته معدومة، والعمل على ردم الهوة السحيقة بين أجور الفنيين والممثلين حتى لايشعر الفني طوال العمل أن حقه وجهده لايساويان عند الجهة المنتجة عشر وأحياناً واحد إلى مئة من أجر النجم.
ولابد لنا من التوقف عند نقطة النصوص والمواضيع التي تطرحها، ولعل أبرز سمات الدراما الاجتماعية هي التكرار الهائل للمواضيع وحتى للبنى الدرامية والحبكات، فكم عملاً نستطيع أن نتذكر عن عائلة من الطبقة الوسطى تكافح للبقاء في موضعها الاجتماعي مع تدهور وضعها الاقتصادي وتورط الأبناء في مشكلات شتى وإخفائهم ذلك عن الأم والأب الغارقين في همومهما، أو كم مسلسلاً يمكن أن نصادف فيهم نفس نماذج الشخصيات –وهذه ليست مشكلة كبيرة- معالجة بنفس الطريقة تماماً –وهذه هي الأزمة-. ناهيك عن نصوص كثيرة توافرت فيها الحكاية الدرامية المناسبة وبنية الشخصيات المشوقة وافتقد كتابها للصنعة والحرفة لتحويلها إلى نصوص جيدة. أما موضوع الجرأة والالتفاف على الرقابة فأنا شخصياً أجد أن هذا النقاش لن يحسم إلا بإلغاء فكرة الرقابة من أساسها واعتماد التصنيف العمري للمشاهدة والسماح لكل من يحمل وجهة نظر أن يطرحها ويمكن لمن لايوافق عليها إما أن يرد عليها بعمل فني أوأن لا يشاهدها.
أما عند التنفيذ فأجد من الضروري أن يحدد حد أدنى للزمن الذي تنجز فيه الحلقة التلفزيونية حتى يتوقف السباق المحموم على تسجيل أرقام قياسية في إنجاز الأعمال بسرعة تكاد تكون لاتصدق، وحتى لايحرم بعض المخرجين من تقديم أعمالهم وأفكارهم وإضافة بصمتهم للدراما السورية فقط لأنهم “أبطأ” من غيرهم. وأن تحدد ساعات العمل بشكل دقيق حتى لايعمل أي فريق أكثر من غيره، وأن تتوفر ظروف مريحة وإنسانية للعاملين في المسلسلات، سواء من حيث الطعام أو أماكن الاستراحة، فمن غير المعقول أن يشكل وجود فني نباتي أزمة يومية في عمل ما.
وعند الحديث عن الشروط الإنسانية وعدم امتهان الكرامات، يتبادر إلى ذهني فوراً الكومبارس، هؤلاء المساكين، مهضومي الحقوق، تخيل نفسك تعمل يومياً لمدة 14 ساعة وأحياناً أكثر، بأجر لايفوق ال500 ليرة متضمنة عمولة المسؤول عن الكومبارس، ومطلوب منك أن تكون إيجابياً وملتزماً بالتعليمات وتعرف كيف تمثل وتتفاعل وليس لك بالمقابل أي حق إلا أن تقبل بأن تكون “ملطشة” الجميع.
تعاني الدراما السورية أزمة أخرى مرتبطة بالتنفيذ وهي الفرق الشاسع بين مستوى الصورة ومستوى الصوت، فمستوى الصورة المقدم في الدراما السورية في تطور مستمر ويتم إيلاء الإضاءة والجوانب البصرية التقنية منها والفنية اعتناء شديداً، أما الصوت فهو مكمل لابد منه، لا أكثر ولا أقل، والدليل أن الكثير من مشرفي الصوت لايجدون ضرورة لحمل “البوم” أي الميكرفون في المشاهد الصامتة ويكتفون بصوت ميكرفون الكاميرا. والصوت في درامانا يعني الحوار، فيما يعني أمراً آخر مختلفاً في العالم، فالصوت له بنية وأحياناً تفوق عملياته الفنية اللاحقة للتصوير تعقيد العمليات اللاحقة التي تنفذ على الصورة.
أما بنية المسلسل الدرامي التي فرضت علينا فرضاً لتباع المسلسلات في شهر رمضان حين ترتفع أسعار البيع، والتي عانى منها كتاب الدراما السورية طويلاً إلى أن اكتسب كثير منهم تكنيك الشط والمط، فقد أفقدت كثيراً من الأفكار والمشاريع قيمتها وحرمت مشاريع أخرى من رؤية النور. وإن من الضروري إعادة إحياء مفهوم السهرة التلفزيونية أو الفيلم التلفزيوني وكذلك أن يحكم عدد حلقات المسلسل الحكاية التي يحملها الكاتب في جعبته وأن ينتهي عند انتهائها سواء بحلقة أم بمئة.
في كل أنحاء العالم تقريباً، أصبح بالإمكان إحصاء عدد مشاهدي العمل التلفزيوني، وفي بعض الدول يمكن معرفة عدد المسجلين الذين يشاهدون الحلقة بعد عرضها، وهذا الإحصاء ضروري لمعرفة أهواء الجمهور الحقيقية، وأمزجتهم وميلهم لنوع درامي دون آخر، بالإضافة إلى إمكانية استفتاء الجمهور بالمواضيع التي يرغبون بمشاهدتها من خلال إنجاز حلقات تجريبية “بايلوت” وعرضها على شريحة من الجمهور وتلقي ردود فعلها، وبذلك نتخلص من ظاهرتين: الأولى أن كل أعمال الدراما السورية التي تنتج حصلت حسب صناعها على أعلى نسبة مشاهدة، والثانية هي أن النصوص تنتقى بناء على أن “الجمهور عايز كده” أو أن المواضيع تتكرر لأن الناس تحبها.
ونصل إلى نقطة النهاية وهي البيع والتسويق والتوزيع، وأول نقطة لابد من الاتفاق عليها هو وجود حد أدنى لسعر الحلقة التلفزيونية لإيقاف سوق المضاربة، وثانيها إيجاد سوق محلية لعرض الأعمال السورية تخلص الدراما من تحكم السوق الخارجي بها عن طريق فتح الباب على مصراعيه أمام تأسيس قنوات سورية خاصة تشكل نواة هذه السوق.
وعموماً تبقى كل نقطة من هذه النقاط بحاجة إلى بحث وتمحيص، ولكن كان لابد من فتح الباب أما نقاش وضع الدراما الحالي، أملاً بتحقيق الأفضل والأكمل.

حلم

حلم ببلاد يتعلم فيها الأطفال كيف يعبرون عن أنفسهم بالألوان والكلمات.

أحلم ببلاد لايخاف الناس فيها من قول رأيهم.

أحلم ببلاد لا يتلفت فيها حوله من يريد أن يحكي لأصدقائه قصة.

أحلم ببلاد لاتوجد فيها كلمات مثل "عفطوه، أخدوه، عذبوه، مامنعرف وينه".

أحلم ببلاد يكون فيها للكل بقدر مايعطون.

أحلم ببلاد يعمل كل من فيها لأجلها ولأجلها فقط.

أحلم ببلاد شبابها يبنيها لايقصى منها.

أحلم ببلاد تحرر فلسطين وتعيدها لأهلها.

أحلم ببلاد تشرب فيها قهوة الصباح مع أصدقائك في الجولان ثم تعود إلى بيتك.

أحلم ببلاد يعمل فيها كل إنسان عملاً يحبه.

أحلم ببلاد لافقر فيها ولاجوع.

أحلم ببلاد يأكل فيها كل الناس كفايتهم.

أحلم ببلاد لايعمل فيها طفل أجيراً.

أحلم ببلاد يتساوى فيها كل الناس أمام القانون.

أحلم ببلاد بلا مسؤولين فقط شعوب.

أحلم ببلاد لاممنوع فيها.

أحلم ببلاد ..

أحلم..