الجمعة، 29 مارس 2013

بالخلاص ياشباب

في زياراتي الأخيرة لبيروت، كنت أحوم حول الكتاب، وأنا اشتهي قراءته، ولكنني كنت أخشى من إعادته معي إلى دمشق، وعبور الحدود به. هذه المرة، طالت إقامتي، ذهبت إلى المكتبة واشتريت “بالخلاص ياشباب!” لياسين الحاج صالح.

وإذ كنت متحمسة جداً لقراءة الكتاب، فقد باشرت فوراً، قرأت المقدمة ومن ثم مقطع “وقائع أساسية”، الذي انتهى بجملة، جعلتني أغلق الكتاب ولا أعود إلى قراءته إلا بعد عدة أيام، الجملة كانت: قضيت في السجن 16 عاماً و14 يوماً. (ص14).

وكان أكثر ما آلمني وجعلني أترك الكتاب، تفصيل غريب، لقد جرحني أن هذه الجملة لم تنته بإشارة تعجب، بل بنقطة.

عدت إلى الكتاب لاحقاً وأنا أتوجس مما تولده في نفسي قراءة تجارب السجناء السياسيين سابقاً، ومن الخوف الذي استرجعه حاضراً عندما أسمع تفاصيل الحكايا التي جرت “هناك” في العالم الوحشي.

لكن الكتاب، بدل أن يعيد إلي تلك المشاعر، أدهشني من عالم استطاع الكاتب أن يؤنسنه رغم وحشيته، وأن ينقل لنا بصيص الأمل فيه بدل سوداويته، وأن يعلمنا كيف يستطيع الإنسان أن يطوع أبشع التجارب لتتحول إلى تجربة استفادة.

وكان أكثر ما جعلني أرفع القبعة احترماً، هو التواضع الذي انطوت عليه تلك الصفحات، والإنسانية التي صورت الكاتب ورفاقه على أنهم بشر لا أبطال خارقون.

لم تطل من الكتاب شخصية لا تهاب شيئاً، بل أطل أشخاص عاشوا تجربة أشد قسوة من الخيال، وعاشوها برعبها وألمها ولحظات سعادتها المسروقة وما حملته من تعلم وإعادة استكشاف دواخل.

أنهيت قراءة الكتاب، وفي نفسي راحة غريبة، وأمل أكبر بمستقبل قريب، تطوى فيه هذه الصفحة الأليمة والمشينة من تاريخنا، صفحة الاعتقال السياسي والتغييب القسري. وفي روحي احترام عميق، لكل من عاش هذه التجربة، وعاد منها ليعيش الحياة بحب، لا لينتقم من أشباح الماضي التي تطارده.

و”بالخلاص ياشباب!”.

الأربعاء، 20 مارس 2013

لا..

أتابع يومياً ما يكتبه الشباب المعارض على فيسبوك، ومن هذه المتابعة استنتجت أمراً أشعر أن لابد من مناقشته، وهو أن معظمنا بعد أن اكتشف أن له صوتاً بعد أن كان يظن نفسه أبكم لسنوات، أصبح لا يرفع صوته إلا للفظ كلمة: لا.

لا يمكن إنكار أن حالة الرفض، هي ما جعل شباب سوريا اليوم يصحون وينتفضون، وأن معظم حالات الرفض المنتشرة محقة، ولكن، إن الإدمان على رفض كل شيء، على رفض القديم لأنه مهترئ، وعلى رفض الجديد لأنه بلا خبرة، وعلى رفض الأفكار المسبقة، ورفض تقديم أفكار جديدة، على رفض الآخر من حيث المبدأ، هي ماسيتحول مع الزمن إلى مشكلة مزمنة لابد من حلها.

تتمثل بداية الطريق لحل أي مشكلة، في الاعتراف بوجودها، ومحاولة الإحاطة بها من كل جانب لمعالجتها، والاعتراف بالمشكلة يناقض حالة الرفض واللا نقاش، كيف إذاً نواجه هذه المشكلة؟

أظن أن بداية تلمس الحل تكون بالاستماع للرافضين مهما كان سبب رفضهم، وعدم مقابلتهم برفض مقابل قطعي، وإنما بمحاولة فهم دافع الرفض وتفكيكه مع الرافض للوصول إلى فكرة جديدة منتجة، وهو مانحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضى من وجهة نظري، أما ثقافة الرفض ورفض الرفض، فهي لا توصل إلا إلى طرق مسدودة لا أمل في أن تتحول إلى إنتاج من أي نوع.

إن ما يدفع أياً منا إلى التمسك بفكرته والتشبث بصحتها مهما كانت متطرفة، هو رفضها من قبل محيطنا، وعدم قبول سماعها من قبل من نشعر أنه يستطيع مساعدتنا على بلورتها وتشذيبها. لذا أعتقد أننا في مرحلة نحتاج فيها أن يستمع المفكرون إلى أصوات الشباب، وإلى أن يناقشوهم بأفكارهم حتى نتعلم كشباب عملية إنتاج وبلورة الأفكار، ونتعلم أيضاً كيف تنتج عملية العصف الذهني صيغة جديدة من فكرتنا من خلال مشاركتها مع الآخرين، بدل أن نكتفي بضرب رؤوسنا ورؤوس محديثنا بجدران الفيسبوك الافتراضية.

وربما لابد من الإشارة هنا إلى التشويش الاتهامي والتخويني الذي يمنع أحياناً عمليات منتجة من الاكتمال والوصول إلى مايجب أن يكون حواراً حقيقياً. فلطالما استمتعت بقراءة مجموعة من التعليقات على فكرة ما إلى أن يدخل “صاحب العقلية الهدامة” إلى الصفحة، ويكتفي بوضع تعليق واحد يحرف مسار النقاش ويغير الموضوع ويحوله إلى تشاتم لاطائل منه ولا نهاية له.

لقد وضعت التكنولوجيا بين أيدينا أدوات يسهل استخدامها في شتى الاتجاهات، وفيما يكون بعض هذه الاستخدامات بناء، يكون البعض الآخر هداماً إلى حد مؤلم. ويحز في نفسي أحياناً الجهد والوقت المهدوران في التشاتم أو في التناطح حول فكرة كان من الممكن أن يبنى عليها مشاريع وصيغ مهمة، تهم وتفيد الجميع.

نهاية، لابد من الإشارة إلى أنني لا أستثني نفسي من نسق المتناطحين الرافضين، ولكنني أحاول من خلال هذه الكلمات التراجع عن بعض عنادي، ودعوة الجميع إلى أن نستغل وقتنا وجهدنا الافتراضي في إنتاج ما قد يأتي يوم ونبحث فيه عن فكرة، قد نكون حمنا حولها لشهور ولم نصل إليها لأننا عرقلنا أنفسنا.

الاثنين، 18 مارس 2013

بعد عامين، اعترافات لابد منها

أنا جبانة.. اعتراف لابد منه لوضع النقاط على الحروف..

الخوف مشروع، ربما، ولكن غيري لم يخف واقتحم الصعاب ودافع عن حلمه في سوريا أجمل، وأعدل. على مر سنتين، كان  الشباب الذين صادفتهم وتعرفت بهم أو أعدت التعرف إلى حقيقتهم جعلوني أؤمن أنه لامفر من سوريا جميلة، تلك التي أراها في عيونهم وهي تغرورق بالدموع وهم يروون بحماسة ذكريات وآلاماً وأحلام. ولا يحق لأحد أي كان أن يصادر حلم أبناء سورية بدولة العدالة والمواطنة والمساواة والقانون.

إن إيماني بالثورة وبشبابها لم يتزعزع، اعتراف آخر لابد منه، ولن تتغير قناعتي بأن الثورة كانت قادمة قادمة، مهما طال الزمن أو قصر. ولكنني  بالتأكيد لم أتخيل أن هذا سيكون مسارها، لأسباب عديدة أولها أنني لم أتوقع أن يصمد الشعب السوري الرائع ويتمسك بثورته رغم كل هذا الكم من العنف والقهر والقمع والقتل. وآخرها أنني لم أتخيل أن هناك من يقبل أن يرمي من طائرته برميلاً مليئاً بالمتفجرات على حي سكني بأن يرفسه بقدمه وكأنه يقوم بفعل طبيعي وعادي.

إن خيبتي ببعض مثقفينا وفنانينا كانت أقسى مما تخيلت، إن كم الخذلان الذي مني به شباب سوريا الجميل يقصم الظهور، وكم التهم الجاهزة التي وجههت له كانت أبعد ماتكون عن نقائه وصفائه. ولكن لا زال لدي أمل بتراجع واعتذار من أخطأ بحق ثورة شعبنا. ولا أنسى الإشارة هنا إلى أنه بالمقابل كان هناك الكثير من المواقف المشرفة لعدد لا بأس به من الفنانين والمثقفين حتى أكون منصفة.

لم يكن يخطر لي يوماً أن الثمن الذي سيدفعه الشعب السوري في سبيل حريته سيكون بهذه الفداحة، هذه حقيقة أشعر أنه لابد من الاعتراف بها، ربما لأن ثورة الشباب المصري قد أوحت بطريق يبدو أسهل من درب الجلجلة الذي تسيره سوريا اليوم وحيدة إلا من إيمان وضمير أبنائها الخلص.

المخاطر تحف بالثورة من كل حدب وصوب، ودول العالم تتربص لتنشب مخالبها في حلمنا الجميل، حقيقة أخرى لازلت أعجز عن مواجهتها كما يجب. فالتطرف ينمو ويترعرع في بيئات القهر الشديد والإحساس بالعجز، ولكن أعترف بأنني ما زالت أثق بتدين أهل بلادي المعتدل، وحبهم وتسامحهم وقلوبهم الناصعة البياض. وكل الدول في العالم تتصرف وفقاً لمصالحها -وهذا أمر بديهي- ولكنني لم أعلم أن مصلحة العالم ستتفق على ترك سوريا تدمر دون أن ينبس العالم بحرف.

وأعترف أيضاً بأنني اكتشفت أنني أحب سوريا أكثر بكثير مما كنت أظن، وأنني أخاف عليها من قادم الأيام، ولكنني على ثقة بأن من كان أشجع مني في الدفاع عن حلمه ودفع حياته ثمناً له، لن يتخلى عن حلمه قبل أن يتحقق كاملاً غير منقوص: سوريا حرة لكل أبنائها، سوريا الكرامة والعدل.

السبت، 2 مارس 2013

عنا وعنهم

 

كلمة تتردد كثيراً في الأوساط المثقفة والفيسبوكية: "منين طلعوا لنا هدول"، ويختلف مدلول كلمة “هدول” حسب السياق، ولكنه عموماً يعني من ليسوا نحن.

"هدول" الذين ينزعج منهم كثير من المثقفين، ما طلعوا من مكان، بل جاؤوا من بيوتهم كما جئت أنت من بيتك، ولاتقل لي أننا كل عمرنا مثال على التعايش وفسيفساء جميلة وما إلى ذلك من الكلام الجميل الذي يشبه تنميقات الإعلام السوري.

الحقيقة هي أن المجتمع السوري قبل الثورة، أو على الأقل كما أراه أنا، كان متعايشاً لأنه كان معزولاً عن بعضه، ومقسماً طبقياً إلى فئات، ومقسماً أيضاً وبوضوح إلى مدن وأرياف.

كانت الفئات المقسمة طبقياً لاتحتك إحداها بالأخرى على الإطلاق، وإن احتكت فإنها تحتك بأن تعمل الفئة الأفقر لصالح الفئة الأغنى دون أن تتعزز أي معرفة حقيقية وعميقة بين الطرفين، فمدبرات المنازل، اللحام، الخضري، بالنسبة لسيدة المجتمع هم من الفئة الثانية، وهي وإن احتكت بهم فإن الاحتكاك لايزيد على كلمتي مرحبا وشكراً.

كان من حسن حظي في الحياة، مسألتان جعلتاني أنظر واحتك بالناس خارج فقاعة "طبقتي المحددة"، الأولى أن المدينة التي ننحدر منها "الميادين" هي إحدى أكثر المناطق تهميشاً في سورية، والثانية هي عملي في مجال الإخراج.

إن انحداري من مدينة الميادين، جعلني أراقب عن بعد، كيف تحول تدين أهل المنطقة المتنور، الأقرب للحريات، خلال العشر سنوات أو العشرين الأخيرة إلى تدين أكثر تشدداً وانغلاقاً. وأذكر تماماً أن كثيراً من أبناء المنطقة ذهبوا وحاربوا في العراق ضد الاحتلال الأمريكي من باب جهادي، وكنت أرى أن زيادة التشدد كانت متناسبة طرداً مع زيادة تهميش المنطقة وأبنائها، ومع حرمانهم من العمل في حقول النفط القريبة من مدينتهم، ومع انعدام الخدمات التي تقدمها الدولة لهم.

أما عملي في الإخراج، فقد أتاح لي أن أحتك بكل الفئات وأن أزور كل المناطق، وفد بين لي أنني أنتمي لفئة لاتعرف شيئاً عن حياة السواد الأعظم من مجتمعها، وكنت لا أصدق  أحياناً الفقر الذي نشهده في أماكن وبيوت استضافتنا، الفقر الذي كنت ألمسه في عيون الأطفال في منازل نصور فيها عندما تصل وجبات الطعام ويبدأ الفريق الفني بالأكل، ولكنني كنت أعرف كم هذا الشعب أبي، عندما كانت دوماً صاحبة البيت تتمنع وترفض أن نعطيهم وجبات للعائلة، ولاتقبل إلا بعد أن نحلفها بالله أن تقبل منا هذه الهدية "كرمال الولاد".

شهدت أثناء عملي في هذه المهنة على إنسانية الشعب السوري، على تسامحه، وعلى احترامه العميق للفنون، فالناس كانت تقبلنا كما نحن، بأشكالنا، بملابسنا، بطباعنا، مع إننا في بعض الأماكن كنا أقرب للكائنات الفضائية منا لسكان المكان، كانوا يقفون قربنا يشاهدون، يحاولون المساعدة، وأذكر دوماً اللحظة المضحكة التي تتكرر كثيراً أن أقوم بطلب شيء ما من الفريق الفني فيركض أحد المشاهدين لتحقيقه، ودائماً كانت تتكرر عبارة: "الله يعينكم، والله شغلتكن متعبة، نحنا منشوف المشهد عالتلفزيون منفكره آخد دقيقة تصوير، طلع بياخد معكن النهار كله، الله يقويكن".

لقد صرت على قناعة الآن بأن عزل فئات المجتمع السوري إحداها عن الأخرى بهذه الطريقة لم يكن صدفة وأن تحديد الفئات لم يأت اعتباطاً، واللوم الوحيد الذي أشعر أن أمثالي يتحملونه، أننا وبمحض مصادفة، خرجنا من "طبقتنا" إلى "طبقة" أخرى، وشاهدنا كيف يعيش الناس، كم هم مقهورون ومتعبون، ورأينا كيف يزداد التشدد والتطرف أحياناً، ولم نفعل شيئاً، لم نطلق صفارات الإنذار، ولم نولول ولم نستشعر الخطر الكامن وراء الانعزال الكامل عن الناس وتركهم لمواجهة مصيرهم عزلاً إلا من إيمانهم بالله.

"هدول" هم الشعب السوري بسواده الأعظم وفئته الغالبة، هؤلاء هم اللطفاء المحبون الصامدون، من تحملوا ابتلاء الله وصبروا على ما أصابهم، ولن نكون أعطينا أنفسنا حقها إلا إن طلبنا منهم أن يقبلونا معهم في نفس الفئة، نحن وهم معاً في فئة الشعب السوري الواحد العظيم، عندها يمكننا أن نهمس في أذن أحدهم: "الله يسامحك يافلان، ماحبيت هالتصرف منك" وهو يقف قربنا، وعندها لن يغضب بل سيبتسم بحب ويقول: "ساعة غضب، بس حقكون على راسي" أو أن يقول هو: “لك الله يصلحكون على هالعملة، بدكن تضلوا مفكرين حالكون بتفهموا أكتر شي وبدكن تعلموا كل العالم؟” ويضحك، لأنه ببساطة يثق بنا ويعرفنا، لم يفت الأوان، لنتعرف إلى بعضنا بحب ودون مواقف مسبقة، أنا متأكدة، لم يفت الأوان.