كلمة تتردد كثيراً في الأوساط المثقفة والفيسبوكية: "منين طلعوا لنا هدول"، ويختلف مدلول كلمة “هدول” حسب السياق، ولكنه عموماً يعني من ليسوا نحن.
"هدول" الذين ينزعج منهم كثير من المثقفين، ما طلعوا من مكان، بل جاؤوا من بيوتهم كما جئت أنت من بيتك، ولاتقل لي أننا كل عمرنا مثال على التعايش وفسيفساء جميلة وما إلى ذلك من الكلام الجميل الذي يشبه تنميقات الإعلام السوري.
الحقيقة هي أن المجتمع السوري قبل الثورة، أو على الأقل كما أراه أنا، كان متعايشاً لأنه كان معزولاً عن بعضه، ومقسماً طبقياً إلى فئات، ومقسماً أيضاً وبوضوح إلى مدن وأرياف.
كانت الفئات المقسمة طبقياً لاتحتك إحداها بالأخرى على الإطلاق، وإن احتكت فإنها تحتك بأن تعمل الفئة الأفقر لصالح الفئة الأغنى دون أن تتعزز أي معرفة حقيقية وعميقة بين الطرفين، فمدبرات المنازل، اللحام، الخضري، بالنسبة لسيدة المجتمع هم من الفئة الثانية، وهي وإن احتكت بهم فإن الاحتكاك لايزيد على كلمتي مرحبا وشكراً.
كان من حسن حظي في الحياة، مسألتان جعلتاني أنظر واحتك بالناس خارج فقاعة "طبقتي المحددة"، الأولى أن المدينة التي ننحدر منها "الميادين" هي إحدى أكثر المناطق تهميشاً في سورية، والثانية هي عملي في مجال الإخراج.
إن انحداري من مدينة الميادين، جعلني أراقب عن بعد، كيف تحول تدين أهل المنطقة المتنور، الأقرب للحريات، خلال العشر سنوات أو العشرين الأخيرة إلى تدين أكثر تشدداً وانغلاقاً. وأذكر تماماً أن كثيراً من أبناء المنطقة ذهبوا وحاربوا في العراق ضد الاحتلال الأمريكي من باب جهادي، وكنت أرى أن زيادة التشدد كانت متناسبة طرداً مع زيادة تهميش المنطقة وأبنائها، ومع حرمانهم من العمل في حقول النفط القريبة من مدينتهم، ومع انعدام الخدمات التي تقدمها الدولة لهم.
أما عملي في الإخراج، فقد أتاح لي أن أحتك بكل الفئات وأن أزور كل المناطق، وفد بين لي أنني أنتمي لفئة لاتعرف شيئاً عن حياة السواد الأعظم من مجتمعها، وكنت لا أصدق أحياناً الفقر الذي نشهده في أماكن وبيوت استضافتنا، الفقر الذي كنت ألمسه في عيون الأطفال في منازل نصور فيها عندما تصل وجبات الطعام ويبدأ الفريق الفني بالأكل، ولكنني كنت أعرف كم هذا الشعب أبي، عندما كانت دوماً صاحبة البيت تتمنع وترفض أن نعطيهم وجبات للعائلة، ولاتقبل إلا بعد أن نحلفها بالله أن تقبل منا هذه الهدية "كرمال الولاد".
شهدت أثناء عملي في هذه المهنة على إنسانية الشعب السوري، على تسامحه، وعلى احترامه العميق للفنون، فالناس كانت تقبلنا كما نحن، بأشكالنا، بملابسنا، بطباعنا، مع إننا في بعض الأماكن كنا أقرب للكائنات الفضائية منا لسكان المكان، كانوا يقفون قربنا يشاهدون، يحاولون المساعدة، وأذكر دوماً اللحظة المضحكة التي تتكرر كثيراً أن أقوم بطلب شيء ما من الفريق الفني فيركض أحد المشاهدين لتحقيقه، ودائماً كانت تتكرر عبارة: "الله يعينكم، والله شغلتكن متعبة، نحنا منشوف المشهد عالتلفزيون منفكره آخد دقيقة تصوير، طلع بياخد معكن النهار كله، الله يقويكن".
لقد صرت على قناعة الآن بأن عزل فئات المجتمع السوري إحداها عن الأخرى بهذه الطريقة لم يكن صدفة وأن تحديد الفئات لم يأت اعتباطاً، واللوم الوحيد الذي أشعر أن أمثالي يتحملونه، أننا وبمحض مصادفة، خرجنا من "طبقتنا" إلى "طبقة" أخرى، وشاهدنا كيف يعيش الناس، كم هم مقهورون ومتعبون، ورأينا كيف يزداد التشدد والتطرف أحياناً، ولم نفعل شيئاً، لم نطلق صفارات الإنذار، ولم نولول ولم نستشعر الخطر الكامن وراء الانعزال الكامل عن الناس وتركهم لمواجهة مصيرهم عزلاً إلا من إيمانهم بالله.
"هدول" هم الشعب السوري بسواده الأعظم وفئته الغالبة، هؤلاء هم اللطفاء المحبون الصامدون، من تحملوا ابتلاء الله وصبروا على ما أصابهم، ولن نكون أعطينا أنفسنا حقها إلا إن طلبنا منهم أن يقبلونا معهم في نفس الفئة، نحن وهم معاً في فئة الشعب السوري الواحد العظيم، عندها يمكننا أن نهمس في أذن أحدهم: "الله يسامحك يافلان، ماحبيت هالتصرف منك" وهو يقف قربنا، وعندها لن يغضب بل سيبتسم بحب ويقول: "ساعة غضب، بس حقكون على راسي" أو أن يقول هو: “لك الله يصلحكون على هالعملة، بدكن تضلوا مفكرين حالكون بتفهموا أكتر شي وبدكن تعلموا كل العالم؟” ويضحك، لأنه ببساطة يثق بنا ويعرفنا، لم يفت الأوان، لنتعرف إلى بعضنا بحب ودون مواقف مسبقة، أنا متأكدة، لم يفت الأوان.