الخميس، 19 ديسمبر 2024

فيلمي الأول الذي لم يكن

 (نشر للمرة الأولى في ملحق أشكال ألوان في العام 2015، راديو ألوان، سراقب)

كم ستكون محظوظًا لو أنك اخترت العمل في مجال صناعة الأفلام، وحصلت على أول منتج آمن بك وأنت في العشرين من عمرك؟ هذا ما حدث معي. ولكن الفرصة الذهبية ضاعت، والفيلم لم يكتمل. وكانت حكاية فيلمي الأول التي رويتها مرات مرات بمرارة للأصدقاء، واليوم ولأول مرة، أكتبها عل المرارة تغادرني على فيلم ظل حبيس الأدراج الرسمية.

تبدأ الحكاية في العام 2003، حيث قامت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بتنظيم حملة تحت عنوان "الأطفال والحرب". واجهت الحملة مشكلة بسيطة، وهي أن من أهدافها العامة التوعية بوضع الجولان السوري المحتل، لكن كل النشاطات التي قامت على إشراك أطفال مدارس سوريا للتعبير عن رأيهم بالحرب لم تتضمن ذكرًا للجولان، إذ لم يفكر الأطفال سوى بفلسطين والعراق،  ولتغطية الثغرة في البرنامج، اقترح أحد المسؤولين عن الحملة، إنتاج فيلم وثائقي عن أطفال الجولان، تم الاتصال بي لإخراج الفيلم.

بدأت البحث عن فكرة فيلم وثائقي عن أطفال الجولان، واكتشفت أن الفيلم لا يمكن أن ينقل فكرته إلا إذا صور في الأراضي المحتلة وهو أمر مستحيل بالطبع، أو أدخل على الفيلم جانب روائي، ليروي قصة أطفال الجولان منذ 1967 عام احتلال الجولان، وقد وقعت بمحض المصادفة على قصة شديدة التأثير، لقرية جولانية محاذية للأراضي الفلسطينية المحتلة، نزح أطفالها وحدهم دون أهاليهم، ومن خلال البحث أيضًا علمت أن بضعة آلاف من الفلسطينيين نزحوا من فلسطين عام1948 ثم عادوا وهجروا عام 1967 فقررت أن تكون إحدى شخصيات الفيلم فلسطينية، وقابلت عائلات نازحة وكانت امرأة رائعة تعيش في المزة 68 في منزل مؤلف من غرفتين مع عائلتها المؤلفة من 10 أطفال بطلة الجزء الوثائقي من الفيلم.

كتبت سيناريو الفيلم. وعرضته على رئيس اللجنة الدولية الذي استطاع تحصيل شراكة من وزارة الخارجية السويسرية بحكم أن ميزانية الفيلم قد كبرت.

كان التصوير يبدأ على الشريط الحدودي مع الأراضي المحتلة، ضمن احتفال 17 نيسان، وبعد التصوير بعدة أيام، طُلبتُ لمقابلة في وزارة الإعلام، حيث قابلني طالب قاضي أمين وكان يومها نائب وزير الإعلام، ليخبرني بعد ان طلب مني رواية كل سيناريو الفيلم الذي كان يحمله في يده، أن فيلمي محفوف بالمشكلات، وأولها المرأة الفلسطينية، أم بطل الفيلم، لأن الشخصية تعني أن المرأة السورية ليست مناضلة بقدر مثيلتها الفلسطينية، فوجئت وحاولت الدفاع عن فكرتي بأن هذه المرأة تمثل ارتباط القضيتين. ولكنه في النهاية أخبرني أنه لا يستطيع اتخاذ قرار بالسماح بالفيلم لأن القادر على اتخاذ القرار هو مسؤول المنظمات الدولية في وزارة الخارجية.

ذهبت للقاء هذا المسؤول، ورافقني رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر، دخلنا إلى المكتب، فإذا بمسؤول يعرفه السوريون اليوم فهو مندوب سوريا في الأمم المتحدة، يجلس خلف مكتبه بنظرته المتعالية نفسها، نعم، إنه الدكتور بشار الجعفري.

اتفقنا على أن تكون الجلسة باللغة الفرنسية كي يفهم رئيس اللجنة الإشكال الحاصل، وبدأ النقاش بان طلب مني أن أروي سيناريو الفيلم الذي كان أمامه على المكتب. وفي منتصف الحديث، فجأة، حدثني بالعربية: أنت لا تعرفين بم تتورطين، أنت شابة ولا تعرفين طبيعة هؤلاء -مشيرًا إلى رئيس اللجنة-، الصليب الأحمر جهة معروفة بانها صهيونية! صعقت، لم أعد أعرف بم أجيب، شعر رئيس اللجنة بتوتري فسأل: ما الذي يجري، أجابه الجعفري: سنسمح بتصوير الفيلم بشرطين، الأول أن تذكروا قرار الأمم المتحدة القاضي بانسحاب الاحتلال من الأراضي المحتلة بعد عام 1967، والثاني أن تصوروا القرية التي تتحدثون عنها. قلت: وكيف سأصور فيها وهي محتلة؟ قال الجعفري لرئيس اللجنة وهو يحاول تجاهلي: دع مكتبكم في تل أبيب يصور. فأجاب رئيس اللجنة: ليس لدينا محترفو تصوير، كما أن السلطات الإسرائيلية لن تعطينا إذنًا للتصوير. فقال الجملة التي أرقتني بعدها لشهور: ولم تتوقع مني أن أسمح لك إن كانوا هم لا يسمحون! قلت محاولة تهدئة الأجواء: لم لا تسمح لنا يا دكتور، بتصوير الفيلم وعرضه عليك وإن لم يعجبك، امنعه. فالتفت إلي باستهزاء وقال مشيرًا إلى خزانة موضوعة خلفه: جربي صوريه، وما رح يطلع من هالخزانة..

هكذا منع فيلمي الأول قبل أن يصور، على باب مكتب الجعفري اعتذر مني رئيس اللجنة: لقد سعدت بالتعرف إليك والتعامل معك، وأنا متأكد أنك فتاة موهوبة، ولكنني بذلت كل ما أستطيع، وقد قامت حكومة بلدي بتمويل فيلمك فيما منعته حكومة بلدك…

حكومة بلدي التي حاولت الاحتجاج لديها على هذا القرار الجائر، وغير المبرر، فلم ألق أي أذن مصغية، والتي لم أستطع حتى اليوم أن أفهم سبب منعها لفيلمي، سوى من تكهنات بأن فضح أوضاع اللاجئين الجولانيين ستفتح باب التساؤل عن كمية هائلة من المساعدات تم تلقيها لتحسين أوضاعهم.

منذ اندلاع الثورة، وكلما انعقد اجتماع للأمم المتحدة، وتكلم فيه الجعفري، تذكرت إشارته تلك، وتخيلت خزانته، مليئة بأشرطة عليها كل الحقائق، كل الصور، كل ما يجري في المعتقلات، كل المقاطع التي تسجلها الكاميرات المرافقة للجيش، ولقطات من فيلمي الأول الذي لم يكن.  

الأحد، 28 يوليو 2024

افتتاح الألعاب الأولمبية

 

افتتحت في باريس يوم الجمعة الدورة الثالثة والثلاثين للألعاب الأولمبية الصيفية في حفل تاريخي خرج للمرة الأولى من الملاعب. تم تنظيم حفل الافتتاح بحيث استخدم نهر السين كمسرح للحفل، ومدينة باريس ومعالمها المميزة كديكورات للحفل. انساب الحفل كقصيدة شعرية في حب باريس وتنوعت مشاهده بين مصور وحي للاحتفاء بتاريخ فرنسا وتراثها وثقافتها. انقسم الحفل إلى موضوعات، ركزت على قيم الجمهورية الفرنسية من حرية ومساواة وإخاء وتكافل، كما ركز على قيم التنوع وتقبل الآخر والتسامح والحب، كما خصص في الحفل فصل عن الأختية، ظهرت فيه تماثيل لنساء فرنسيات من داخل نهر السين لتكريم تميزهن في المجالات العلمية والأدبية والاجتماعية والسياسية كجيزيل حليمي المحامية المدافعة عن حقوق النساء وأليس غيي أول منتجة ومخرجة في تاريخ السينما ولويز ميشيل المناضلة الأناركية في كومونة باريس وغيرهن.

كان الحفل مبهراً في كل تفاصيله بما فيها مرور الفرق الأولمبية المشاركة في قوارب باريسية، ولا يمكن للمشاهد إلا أن يتعجب من كيفية إدارة مجاميع بهذا الحجم ومن احترافية التوقيت في كل تفصيل في حفل ضم حوالي ألفي مؤد وعشرين ألف عامل وفني. ولا بد من تحية الرؤية الإخراجية الفذة للمخرج الفني توماس جولي الذي أدار العرض ووضع التصور الفني بمساعدة لجنة من المختصين، ومن التعبير عن الإعجاب الشديد بلاعب الباركور الذي حمل الشعلة على مدار العرض وسار بها على أسطح باريس والذي لم نر وجهه.

تكرر التعليق في البث التلفزيوني المرافق للعرض عن التأثير والمشاعر المشحونة التي حملها العرض، ولعل أكثر اللحظات تأثيراً هي الاحتفاء بالثورة الفرنسية الذي توج بتكوين لوحة دولاكروا الشهيرة "الحرية تقود الشعب" من أجساد راقصين، بالإضافة إلى شدو المغنية أكسيل سان سيريل النشيد الوطني الفرنسي من على سطح القصر الكبير في باريس، ومشهد الرقص المعلق على "سقالات" كنيسة النوتردام في إشارة إلى قرب انتهاء أعمال ترميمها بعد حريق العام 2019. كما كانت عودة سيلين ديون للغناء بعد أربع سنوات من الانقطاع بسبب وضعها الصحي مؤثرة لكثير من معجبيها.

لم يخل الحفل من حس الفكاهة، من لحظة البداية التي يسلم فيها الكوميديان الشهير جمال دوبوز الشعلة الأولمبية إلى زين الدين زيدان زيدان ملقباً إياه بزيزو المسيح، مروراً برقص الحرس الجمهوري خلف المغنية آية ناكامورا، وانتهاء بمشهد كرتوني للمينيونز في غواصة تحت السين.

انتهى الحفل بوصول العلم الأولمبي بعد أن قطع حصان ميكانيكي نهر السين وخرجت خيالة حقيقية من تحت برج إيفل حيث تجمع حملة الرايات من كل الفرق الاولمبية لتستلم الراية وترفعها، لينقل بعدها زيدان الشعلة الاولمبية إلى رافايل نادال الذي نقلها بدوره إلى عدد من أكبر الأبطال الأولمبيين والبارا أولمبيين لتنتهي إلى يد معمر من الأبطال الأولمبيين في كرسي متحرك وقد بلغ المئة عام ثم إلى ماري جوزيه بيريك وتيدي راينر اللذين أشعلا معاً الشعلة المنطاد لتطير وتحلق فوق سماء باريس.

نجح الرهان الفرنسي في إنجاز حفل افتتاح لم ير له العالم مثيلاً ولم يعكر صفو الحفل سوى الأمطار التي بدأت تنهمر بغزارة في النصف الثاني من الحفل ولم تتوقف حتى نهايته، ولم تسجل خلال الحفل حوادث أمنية خطيرة وهو الأمر الذي كان يمثل القلق الأكبر عندما أعلن عن خطة المنظمين الخروج من الملعب، وقد تطلب تأمين الحفل الذي امتد على ستة كليومترات من نهر السين تحرك خمسة وأربعين ألفاً من قوى حفظ الأمن في الجيش والشرطة، وقد أرسلت دول عدة تعزيزات شرطية للمشاركة في تأمين الحفل ومنها الشرطة القطرية، ولكن هذا النجاح لا يعني أن يوم الافتتاح قد مر بسلاسة، فقد أدت عمليات تخريب تعرضت لها السكك الحديدية من خلال حرائق مفتعلة في مناطق متعددة من فرنسا إلى تعطيل حركة القطارات وتأثر ثمانمئة ألف مسافر، ولم يعرف بعد من نظم هذه الأعمال بين توقعات من كونها جماعات من اليمين المتطرف أو اليسار المتطرف أو حتى من عملاء روسيا المستبعدة من الألعاب الأولمبية.

استمرت حتى الليلة التي سبقت الافتتاح المظاهرات والاحتجاجات التي طالبت باستبعاد اسرائيل من المسابقة كما تم استبعاد روسيا بعد غزوها لأوكرانيا، لكن اللجنة الأولمبية لم تتجاوب مع المطالب ولم تعلق على ازدواجية المعايير بالسماح لفريق الاحتلال بالمشاركة رغم الإبادة الجماعية التي تقودها قواته في غزة. لكن الترحيب والتصفيق الحار الذي رافق الإعلان عن فريق فلسطين المشارك في الألعاب يدل حتماً على الشعور العام الفرنسي والتعاطف مع المدنيين الفلسطينيين. 

رغم نجاح الحفل وجمالياته، لا يمكننا أن ننسى أن لحظة افتتاح الألعاب الأولمبية تترافق مع أزمة معيشية خانقة يعيشها المواطن الفرنسي، وقد عبر المواطنون عن استيائهم من ارتفاع أسعار بطاقات حضور الحفل الافتتاحي التي وصلت إلى 2700 يورو، مما يجعل الحصول عليها مستحيلاً للمواطن العادي إلا من خلال يانصيب وزعت الدولة من خلاله بعض البطاقات مجاناً، بالإضافة إلى أن الحياة أصبحت مستحيلة للباريسيين الذي يعيشون حياتهم الطبيعية داخل المدينة، إذ تعذرت الحركة بسبب إغلاق الطرقات ونشر الحواجز التي تدقق في تصاريح الدخول الخاصة بالمواطنين، وانتشار 44 ألف حاجز معدني يقطع أوصال المدينة وتضاعف أسعار بطاقات النقل العام وارتفاع الأسعار بشكل جنوني، وفرض أشكال من الرقابة على المواطنين من خلال كاميرات المراقبة. كما لم تتوقف الجمعيات الإنسانية من الإشارة إلى عمليات "التنظيف الاجتماعي" التي تمت أثناء التحضير للافتتاح، حيث تم طرد كل المشردين واللاجئين من طرقات باريس، ولم تقدم لهم الدولة أي سكن بديل رغم أن ميزانية إعادة إسكانهم لا تشكل أي عبء بالمقارنة مع المبالغ الخيالية التي دفعت لاستقبال الألعاب الأولمبية، على سبيل المثال كلفت عملية تنظيف مياه السين لتصبح قابلة للسباحة 1.4 مليار يورو بينما تقدر كلفة إعادة الإسكان بنحو 10 مليون يورو. وقد نظم ناشطون وقفة احتجاجية مضادة للافتتاح في ساحة الريبوبليك، احتجاجاً على ممارسات الدولة الفرنسية في سبيل استضافة الألعاب، وقد رفرف العلم الفلسطيني إلى جانب رايات الجمعيات المنظمة، تقول ممثلة الاتحادات النقابية "الألعاب الأولمبية تكثيف للرأسمالية التي تدمر كوكبنا: إجلاء سكان قسري، كارثة بيئية وازدراء طبقي"، ولا بد من الإشارة إلى تأكيد الدولة الفرنسية على أن هذه الألعاب ستكون الأكثر استدامة بل والترويج لذلك دون توقف رغم كل احتجاجات الناشطين البيئيين الذين يرون أن لا قيمة لأسرة كرتونية في القرية الأولمبية مقابل كل بطاقات الطائرات وبصمة الكربون الهائلة التي تنتجها الألعاب.   

كما لا يمكن عزل الألعاب الأولمبية عن السياق السياسي الفرنسي، إذ تم الافتتاح في لحظة تمثل قمة التوتر السياسي الفرنسي الداخلي، فمنذ حل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون البرلمان، كان التخوف الرئيسي هو الاضطرار إلى تغيير وزير الداخلية الذي يخطط وفريقه منذ عامين لتأمين الحفل قبل الافتتاح مباشرة، وهو ما لم يفعله الرئيس متهرباً من الاستحقاق الانتخابي الذي يفترض أن يقوم الرئيس بتسمية رئيس وزراء جديدة من الأغلبية التي ربحت الانتخابات البرلمانية أي من الجبهة الشعبية الجديدة المؤلفة من ائتلاف الأحزاب اليسارية.

رغم كل التوترات، نجح حفل الافتتاح في تسجيل إنجاز تاريخي لفرنسا حيث أنجزت حفلاً غير مسبوق، قامت تفاصيله على فهم عميق للجمال وعلى احتفاء بالثقافة والحب والتاريخ، ولكن ذلك لا ينفي أن لحظة الفرح لن تغطي على كل الغضب والتهميش الذي يعيشه الموطنون، ولن يغطي على الاستحقاق السسياسي الذي يحاول ماكرون تمييعه بحجة استقبال الألعاب الأولمبية.