الأحد، 28 يوليو 2024

افتتاح الألعاب الأولمبية

 

افتتحت في باريس يوم الجمعة الدورة الثالثة والثلاثين للألعاب الأولمبية الصيفية في حفل تاريخي خرج للمرة الأولى من الملاعب. تم تنظيم حفل الافتتاح بحيث استخدم نهر السين كمسرح للحفل، ومدينة باريس ومعالمها المميزة كديكورات للحفل. انساب الحفل كقصيدة شعرية في حب باريس وتنوعت مشاهده بين مصور وحي للاحتفاء بتاريخ فرنسا وتراثها وثقافتها. انقسم الحفل إلى موضوعات، ركزت على قيم الجمهورية الفرنسية من حرية ومساواة وإخاء وتكافل، كما ركز على قيم التنوع وتقبل الآخر والتسامح والحب، كما خصص في الحفل فصل عن الأختية، ظهرت فيه تماثيل لنساء فرنسيات من داخل نهر السين لتكريم تميزهن في المجالات العلمية والأدبية والاجتماعية والسياسية كجيزيل حليمي المحامية المدافعة عن حقوق النساء وأليس غيي أول منتجة ومخرجة في تاريخ السينما ولويز ميشيل المناضلة الأناركية في كومونة باريس وغيرهن.

كان الحفل مبهراً في كل تفاصيله بما فيها مرور الفرق الأولمبية المشاركة في قوارب باريسية، ولا يمكن للمشاهد إلا أن يتعجب من كيفية إدارة مجاميع بهذا الحجم ومن احترافية التوقيت في كل تفصيل في حفل ضم حوالي ألفي مؤد وعشرين ألف عامل وفني. ولا بد من تحية الرؤية الإخراجية الفذة للمخرج الفني توماس جولي الذي أدار العرض ووضع التصور الفني بمساعدة لجنة من المختصين، ومن التعبير عن الإعجاب الشديد بلاعب الباركور الذي حمل الشعلة على مدار العرض وسار بها على أسطح باريس والذي لم نر وجهه.

تكرر التعليق في البث التلفزيوني المرافق للعرض عن التأثير والمشاعر المشحونة التي حملها العرض، ولعل أكثر اللحظات تأثيراً هي الاحتفاء بالثورة الفرنسية الذي توج بتكوين لوحة دولاكروا الشهيرة "الحرية تقود الشعب" من أجساد راقصين، بالإضافة إلى شدو المغنية أكسيل سان سيريل النشيد الوطني الفرنسي من على سطح القصر الكبير في باريس، ومشهد الرقص المعلق على "سقالات" كنيسة النوتردام في إشارة إلى قرب انتهاء أعمال ترميمها بعد حريق العام 2019. كما كانت عودة سيلين ديون للغناء بعد أربع سنوات من الانقطاع بسبب وضعها الصحي مؤثرة لكثير من معجبيها.

لم يخل الحفل من حس الفكاهة، من لحظة البداية التي يسلم فيها الكوميديان الشهير جمال دوبوز الشعلة الأولمبية إلى زين الدين زيدان زيدان ملقباً إياه بزيزو المسيح، مروراً برقص الحرس الجمهوري خلف المغنية آية ناكامورا، وانتهاء بمشهد كرتوني للمينيونز في غواصة تحت السين.

انتهى الحفل بوصول العلم الأولمبي بعد أن قطع حصان ميكانيكي نهر السين وخرجت خيالة حقيقية من تحت برج إيفل حيث تجمع حملة الرايات من كل الفرق الاولمبية لتستلم الراية وترفعها، لينقل بعدها زيدان الشعلة الاولمبية إلى رافايل نادال الذي نقلها بدوره إلى عدد من أكبر الأبطال الأولمبيين والبارا أولمبيين لتنتهي إلى يد معمر من الأبطال الأولمبيين في كرسي متحرك وقد بلغ المئة عام ثم إلى ماري جوزيه بيريك وتيدي راينر اللذين أشعلا معاً الشعلة المنطاد لتطير وتحلق فوق سماء باريس.

نجح الرهان الفرنسي في إنجاز حفل افتتاح لم ير له العالم مثيلاً ولم يعكر صفو الحفل سوى الأمطار التي بدأت تنهمر بغزارة في النصف الثاني من الحفل ولم تتوقف حتى نهايته، ولم تسجل خلال الحفل حوادث أمنية خطيرة وهو الأمر الذي كان يمثل القلق الأكبر عندما أعلن عن خطة المنظمين الخروج من الملعب، وقد تطلب تأمين الحفل الذي امتد على ستة كليومترات من نهر السين تحرك خمسة وأربعين ألفاً من قوى حفظ الأمن في الجيش والشرطة، وقد أرسلت دول عدة تعزيزات شرطية للمشاركة في تأمين الحفل ومنها الشرطة القطرية، ولكن هذا النجاح لا يعني أن يوم الافتتاح قد مر بسلاسة، فقد أدت عمليات تخريب تعرضت لها السكك الحديدية من خلال حرائق مفتعلة في مناطق متعددة من فرنسا إلى تعطيل حركة القطارات وتأثر ثمانمئة ألف مسافر، ولم يعرف بعد من نظم هذه الأعمال بين توقعات من كونها جماعات من اليمين المتطرف أو اليسار المتطرف أو حتى من عملاء روسيا المستبعدة من الألعاب الأولمبية.

استمرت حتى الليلة التي سبقت الافتتاح المظاهرات والاحتجاجات التي طالبت باستبعاد اسرائيل من المسابقة كما تم استبعاد روسيا بعد غزوها لأوكرانيا، لكن اللجنة الأولمبية لم تتجاوب مع المطالب ولم تعلق على ازدواجية المعايير بالسماح لفريق الاحتلال بالمشاركة رغم الإبادة الجماعية التي تقودها قواته في غزة. لكن الترحيب والتصفيق الحار الذي رافق الإعلان عن فريق فلسطين المشارك في الألعاب يدل حتماً على الشعور العام الفرنسي والتعاطف مع المدنيين الفلسطينيين. 

رغم نجاح الحفل وجمالياته، لا يمكننا أن ننسى أن لحظة افتتاح الألعاب الأولمبية تترافق مع أزمة معيشية خانقة يعيشها المواطن الفرنسي، وقد عبر المواطنون عن استيائهم من ارتفاع أسعار بطاقات حضور الحفل الافتتاحي التي وصلت إلى 2700 يورو، مما يجعل الحصول عليها مستحيلاً للمواطن العادي إلا من خلال يانصيب وزعت الدولة من خلاله بعض البطاقات مجاناً، بالإضافة إلى أن الحياة أصبحت مستحيلة للباريسيين الذي يعيشون حياتهم الطبيعية داخل المدينة، إذ تعذرت الحركة بسبب إغلاق الطرقات ونشر الحواجز التي تدقق في تصاريح الدخول الخاصة بالمواطنين، وانتشار 44 ألف حاجز معدني يقطع أوصال المدينة وتضاعف أسعار بطاقات النقل العام وارتفاع الأسعار بشكل جنوني، وفرض أشكال من الرقابة على المواطنين من خلال كاميرات المراقبة. كما لم تتوقف الجمعيات الإنسانية من الإشارة إلى عمليات "التنظيف الاجتماعي" التي تمت أثناء التحضير للافتتاح، حيث تم طرد كل المشردين واللاجئين من طرقات باريس، ولم تقدم لهم الدولة أي سكن بديل رغم أن ميزانية إعادة إسكانهم لا تشكل أي عبء بالمقارنة مع المبالغ الخيالية التي دفعت لاستقبال الألعاب الأولمبية، على سبيل المثال كلفت عملية تنظيف مياه السين لتصبح قابلة للسباحة 1.4 مليار يورو بينما تقدر كلفة إعادة الإسكان بنحو 10 مليون يورو. وقد نظم ناشطون وقفة احتجاجية مضادة للافتتاح في ساحة الريبوبليك، احتجاجاً على ممارسات الدولة الفرنسية في سبيل استضافة الألعاب، وقد رفرف العلم الفلسطيني إلى جانب رايات الجمعيات المنظمة، تقول ممثلة الاتحادات النقابية "الألعاب الأولمبية تكثيف للرأسمالية التي تدمر كوكبنا: إجلاء سكان قسري، كارثة بيئية وازدراء طبقي"، ولا بد من الإشارة إلى تأكيد الدولة الفرنسية على أن هذه الألعاب ستكون الأكثر استدامة بل والترويج لذلك دون توقف رغم كل احتجاجات الناشطين البيئيين الذين يرون أن لا قيمة لأسرة كرتونية في القرية الأولمبية مقابل كل بطاقات الطائرات وبصمة الكربون الهائلة التي تنتجها الألعاب.   

كما لا يمكن عزل الألعاب الأولمبية عن السياق السياسي الفرنسي، إذ تم الافتتاح في لحظة تمثل قمة التوتر السياسي الفرنسي الداخلي، فمنذ حل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون البرلمان، كان التخوف الرئيسي هو الاضطرار إلى تغيير وزير الداخلية الذي يخطط وفريقه منذ عامين لتأمين الحفل قبل الافتتاح مباشرة، وهو ما لم يفعله الرئيس متهرباً من الاستحقاق الانتخابي الذي يفترض أن يقوم الرئيس بتسمية رئيس وزراء جديدة من الأغلبية التي ربحت الانتخابات البرلمانية أي من الجبهة الشعبية الجديدة المؤلفة من ائتلاف الأحزاب اليسارية.

رغم كل التوترات، نجح حفل الافتتاح في تسجيل إنجاز تاريخي لفرنسا حيث أنجزت حفلاً غير مسبوق، قامت تفاصيله على فهم عميق للجمال وعلى احتفاء بالثقافة والحب والتاريخ، ولكن ذلك لا ينفي أن لحظة الفرح لن تغطي على كل الغضب والتهميش الذي يعيشه الموطنون، ولن يغطي على الاستحقاق السسياسي الذي يحاول ماكرون تمييعه بحجة استقبال الألعاب الأولمبية.  

 

 

 

 

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق