لطالما لفتني في بلادنا أن مفهوم الحزن واضح المعالم وحاضر ومعرف أكثر بكثير من مفهوم السعادة، ويتوضح ذلك بالعودة إلى مناطق معينة من سورية تنحدر منها أصول عائلتي.
مدينة صغيرة حزينة على ضفاف الفرات في الشمال الشرقي من سوريا تدعى الميادين، في تلك المدينة يتوافق الموت مع مزاج الناس ويعيشون تفاصيل حياتهم من خلاله،فعندما يتوفى شخص ما يتم الالتزام بالحزن عليه لفترة طويلة فيما تمر أفراح العائلة مرور الكرام وبسرعة، ويترافق ذلك مع تذكر الأشخاص المتوفين في الأفراح والشعور بأن السعادة منقوصة لأنهم ماتوا أو غابوا. ويضاف إلى ذلك أن لحظات الفرح التي يتم تذكرها في المستقبل لابد أن تكون كبيرة، فيما يتم التمسك بالأحزان الصغيرة دون نسيان تفاصيلها، فهجرة أحد أفراد العائلة لابد أن يمر ذكره في كل ليلة تجتمع فيها الأسرة على مائدة الطعام أو عندما يسهرون معاً تحت أشجار النخيل في حوش المنزل.
ولابد من الإشارة هنا إلى الطقوس المسرحية التي ترافق العزاء والتي كانت حتى عهد قريب تتمثل باللطم والبكاء الهستيري. في حين من اللافت أنه لاتوجد طقوس ترافق المناسبات السعيدة.
ومما شغلني دوماً، قيام الناس في بلادنا في أول أيام عيدي الفطر والأضحى بزيارة المقابر إشارة إلى تذكر الأموات. التي يراها الكثيرون لفتة لطيفة وواجباً لابد منه ولكنني لطالما شعرت بأنها تمنح العيد كله شعوراً مقبضاً فهناك دوماً شخص ناقص.
كنت محظوظة بصغري بأم علمتني الاستمتاع بالمتع الصغيرة وتثبيت لحظات السعادة مهما كانت خاطفة وقصيرة في ذاكرتي واستعادتها متى أردت. فقد تعلمت أن الأحزان في هذه البلاد دوماً موجودة لذا يجب على من يحلم بالسعادة أن يتمسك بها عندما يحصل عليها مهما كان شكلها: حبيب يحبك ويخشى عليك، صديق يمتاز بالاسمتاع الجيد، رحلة إلى معلم سياحي كانت مسلية، طعام لذيذ .. إلخ
يبقى السؤال الذي يشغلني هو: ترى كيف نستطيع في بلاد أثقل كاهل مواطنيها بالفقر والقهر ,والظلم والقمع أن نحتفظ بسعادة اللحظات القليلة التي حملت لنا ضحكة أوابتسامة أوقلباً طافحاً بالحب؟
أعتقد أن الإجابة تكمن في وجوه وقلوب الشباب السوري المتمسك بالحياة، وبالطيبة التي تملأ نفوس أمهاته، وفي الفن الذي يصر على نقل صورة الصادق والجميل فينا دوماً...