الاثنين، 14 مايو 2012

السعادة

 

لطالما لفتني في بلادنا أن مفهوم الحزن واضح المعالم وحاضر ومعرف أكثر بكثير من مفهوم السعادة، ويتوضح ذلك بالعودة إلى مناطق معينة من سورية تنحدر منها أصول عائلتي.

مدينة صغيرة حزينة على ضفاف الفرات في الشمال الشرقي من سوريا تدعى الميادين، في تلك المدينة يتوافق الموت مع مزاج الناس ويعيشون تفاصيل حياتهم من خلاله،فعندما يتوفى شخص ما يتم الالتزام بالحزن عليه لفترة طويلة فيما تمر أفراح العائلة مرور الكرام وبسرعة، ويترافق ذلك مع تذكر الأشخاص المتوفين في الأفراح والشعور بأن السعادة منقوصة لأنهم ماتوا أو غابوا. ويضاف إلى ذلك أن لحظات الفرح التي يتم تذكرها في المستقبل لابد أن تكون كبيرة، فيما يتم التمسك بالأحزان الصغيرة دون نسيان تفاصيلها، فهجرة أحد أفراد العائلة لابد أن يمر ذكره في كل ليلة تجتمع فيها الأسرة على مائدة الطعام أو عندما يسهرون معاً تحت أشجار النخيل في حوش المنزل.

ولابد من الإشارة هنا إلى الطقوس المسرحية التي ترافق العزاء والتي كانت حتى عهد قريب تتمثل باللطم والبكاء الهستيري. في حين من اللافت أنه لاتوجد طقوس ترافق المناسبات السعيدة.

ومما شغلني دوماً، قيام الناس في بلادنا في أول أيام عيدي الفطر والأضحى بزيارة المقابر إشارة إلى تذكر الأموات. التي يراها الكثيرون لفتة لطيفة وواجباً لابد منه ولكنني لطالما شعرت بأنها تمنح العيد كله شعوراً مقبضاً فهناك دوماً شخص ناقص.

كنت محظوظة بصغري بأم علمتني الاستمتاع بالمتع الصغيرة وتثبيت لحظات السعادة مهما كانت خاطفة وقصيرة في ذاكرتي واستعادتها متى أردت. فقد تعلمت أن الأحزان في هذه البلاد دوماً موجودة لذا يجب على من يحلم بالسعادة أن يتمسك بها عندما يحصل عليها مهما كان شكلها: حبيب يحبك ويخشى عليك، صديق يمتاز بالاسمتاع الجيد، رحلة إلى معلم سياحي كانت مسلية، طعام لذيذ .. إلخ

يبقى السؤال الذي يشغلني هو: ترى كيف نستطيع في بلاد أثقل كاهل مواطنيها بالفقر والقهر ,والظلم والقمع أن نحتفظ بسعادة اللحظات القليلة التي حملت لنا ضحكة أوابتسامة أوقلباً طافحاً بالحب؟

أعتقد أن الإجابة تكمن في وجوه وقلوب الشباب السوري المتمسك بالحياة، وبالطيبة التي تملأ نفوس أمهاته، وفي الفن الذي يصر على نقل صورة الصادق والجميل فينا دوماً...

ثقافة الإقصاء

 

منذ أشهر وأنا أتابع بحماسة الكثير من النقاشات التي تدور على صفحات الفيسبوك بين الشباب. والذي وبارتفاع السقف التدريجي وبعد كل الأحداث التي مرت على سورية أصبح لديه الكثير والكثير من الأسئلة التي يبحث لها عن إجابات.

بعضها أسئلة طارئة تتعلق بما حدث اليوم أو البارحة، وبعضها الآخر يتعلق بالمبادئ السياسية والعمل السياسي التي لم يخطر لأحدهم أنه سيحتاجها يوماً، وبعضها الأخير أسئلة كبرى عامة عن الوطن الذي يحلمون به.

ولابد من الإشارة إلى أنني أتحدث هنا عن نقاشات بين شباب يتخذون نفس الموقف مما يجري، لأن النقاش بين الموقفين المتناقضين أصبح وللأمانة إن لم يكن مضيعة للوقت فهو أسرع وأكثر الطرق فاعلية للتشاتم وتلقي التهم الجاهزة المقولبة.

وقد لاحظت عبر مراقبتي لتلك النقاشات أمراً استوقفني، وهو أن النقاشات غالباً تصل إلى مكان مسدود بسبب قناعة كل من المتناقشين بأنه على حق قبل بداية النقاش أصلاً ورغبته في فرض وجهة نظره على الآخرين من حيث المبدأ، يضاف إلى ذلك أن من يتناول موضوعاً حساساً أو يطرح نقطة يتجنبها الجميع يقابل في أحسن الأحوال بالسخرية والاستهزاء من "سذاجته" وفي أسوأ الأحوال يشتم "وتمسح فيه الأراضي".

وعندما يحتج أحد أصحاب الخبرة في الحوار أو ربما بعض الصبورين على طريقة التحاور، ويوضح أن الخلاف لايفسد للود قضية وأن ثقافة الاختلاف لابد أن تكون قائمة على سماع الآخر دون إلغائه يواقفه الجميع، ويضعون ألف "لايك" على تعليقه.

لم طرحت كل هذا الموضوع وبمقدمة طويلة؟

لأنني ممن يؤمنون بضرورة سماع الآخرين وأقول أنني أستطيع التوافق مع الجميع وتفهم مواقفهم، ولكنني بالمقابل ما إن أقرر الدخول في نقاش حتى أغضب و"انحمق" وأبدأ بمحاولة ترتيب أفكاري قبل أن أكتب رأياً أتهجم فيه على الآخرين لكنني في معظم الأحيان أفشل في كبح استفزازي وأكتب تعليقاً ثم أشطبه ندماً.

وأسوق هنا مثلاً مر عليه الآن بعض الوقت، فقد قرأت في أحد المجموعات سؤالاً طرحه أحد الأعضاء على استحياء ومسبوقاً باعتذار حول انسحاب الأكراد من مؤتمر اسطنبول وأنه لم يكن يعرف أن اسم الجمهورية يشكل مشكلة بالنسبة لهم. وهنا دخلت إحدى الصديقات وكتبت جواباً استوقفني جداً ولا أذكره حرفياً لكن خلاصته كانت: بدنا نرجع كم شهر لورا هي مواضيع ناقشناها وخلصنا منها من زمان. وهو جواب على السؤال وجدته شديد الإلغائية. لأن الشاب لم يكن موجوداً عندما تم النقاش وانتهى ولم يخبره أحد بما "قرروه" والأهم من هم "هؤلاء" الذين يقررون ويتفقون؟

لاشك أننا قطعنا شوطاً كبيراً وفي زمن قياسي بالوعي وانطلاق النقاش والسؤال الذي أبحث عن إجابة له هنا هو: هل من الضروري أن نتخلص من إقصائيتنا الطاغية؟ أم أن تصادم الأفكار المتناقضة والغاضبة يمكن أن ينتج أفكاراً جديدة؟  وهنا لابد أن أذكر أن بعض الشباب يختلفون اختلافاً شديداً ويتصايحون ويشتمون بعضهم ومن ثم يكملون حياتهم وصداقاتهم بشكل طبيعي بعد دقائق على النقاش.. إذاً قد يكون كل هذا القلق من ضرورة القبول بالرأي الآخر لاضرورة له، في حال قبول الآخر نفسه، ولعل هذا هو جوهر  مقولة الخلاف لايفسد للود قضية…