الخميس، 19 ديسمبر 2024

فيلمي الأول الذي لم يكن

 (نشر للمرة الأولى في ملحق أشكال ألوان في العام 2015، راديو ألوان، سراقب)

كم ستكون محظوظًا لو أنك اخترت العمل في مجال صناعة الأفلام، وحصلت على أول منتج آمن بك وأنت في العشرين من عمرك؟ هذا ما حدث معي. ولكن الفرصة الذهبية ضاعت، والفيلم لم يكتمل. وكانت حكاية فيلمي الأول التي رويتها مرات مرات بمرارة للأصدقاء، واليوم ولأول مرة، أكتبها عل المرارة تغادرني على فيلم ظل حبيس الأدراج الرسمية.

تبدأ الحكاية في العام 2003، حيث قامت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بتنظيم حملة تحت عنوان "الأطفال والحرب". واجهت الحملة مشكلة بسيطة، وهي أن من أهدافها العامة التوعية بوضع الجولان السوري المحتل، لكن كل النشاطات التي قامت على إشراك أطفال مدارس سوريا للتعبير عن رأيهم بالحرب لم تتضمن ذكرًا للجولان، إذ لم يفكر الأطفال سوى بفلسطين والعراق،  ولتغطية الثغرة في البرنامج، اقترح أحد المسؤولين عن الحملة، إنتاج فيلم وثائقي عن أطفال الجولان، تم الاتصال بي لإخراج الفيلم.

بدأت البحث عن فكرة فيلم وثائقي عن أطفال الجولان، واكتشفت أن الفيلم لا يمكن أن ينقل فكرته إلا إذا صور في الأراضي المحتلة وهو أمر مستحيل بالطبع، أو أدخل على الفيلم جانب روائي، ليروي قصة أطفال الجولان منذ 1967 عام احتلال الجولان، وقد وقعت بمحض المصادفة على قصة شديدة التأثير، لقرية جولانية محاذية للأراضي الفلسطينية المحتلة، نزح أطفالها وحدهم دون أهاليهم، ومن خلال البحث أيضًا علمت أن بضعة آلاف من الفلسطينيين نزحوا من فلسطين عام1948 ثم عادوا وهجروا عام 1967 فقررت أن تكون إحدى شخصيات الفيلم فلسطينية، وقابلت عائلات نازحة وكانت امرأة رائعة تعيش في المزة 68 في منزل مؤلف من غرفتين مع عائلتها المؤلفة من 10 أطفال بطلة الجزء الوثائقي من الفيلم.

كتبت سيناريو الفيلم. وعرضته على رئيس اللجنة الدولية الذي استطاع تحصيل شراكة من وزارة الخارجية السويسرية بحكم أن ميزانية الفيلم قد كبرت.

كان التصوير يبدأ على الشريط الحدودي مع الأراضي المحتلة، ضمن احتفال 17 نيسان، وبعد التصوير بعدة أيام، طُلبتُ لمقابلة في وزارة الإعلام، حيث قابلني طالب قاضي أمين وكان يومها نائب وزير الإعلام، ليخبرني بعد ان طلب مني رواية كل سيناريو الفيلم الذي كان يحمله في يده، أن فيلمي محفوف بالمشكلات، وأولها المرأة الفلسطينية، أم بطل الفيلم، لأن الشخصية تعني أن المرأة السورية ليست مناضلة بقدر مثيلتها الفلسطينية، فوجئت وحاولت الدفاع عن فكرتي بأن هذه المرأة تمثل ارتباط القضيتين. ولكنه في النهاية أخبرني أنه لا يستطيع اتخاذ قرار بالسماح بالفيلم لأن القادر على اتخاذ القرار هو مسؤول المنظمات الدولية في وزارة الخارجية.

ذهبت للقاء هذا المسؤول، ورافقني رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر، دخلنا إلى المكتب، فإذا بمسؤول يعرفه السوريون اليوم فهو مندوب سوريا في الأمم المتحدة، يجلس خلف مكتبه بنظرته المتعالية نفسها، نعم، إنه الدكتور بشار الجعفري.

اتفقنا على أن تكون الجلسة باللغة الفرنسية كي يفهم رئيس اللجنة الإشكال الحاصل، وبدأ النقاش بان طلب مني أن أروي سيناريو الفيلم الذي كان أمامه على المكتب. وفي منتصف الحديث، فجأة، حدثني بالعربية: أنت لا تعرفين بم تتورطين، أنت شابة ولا تعرفين طبيعة هؤلاء -مشيرًا إلى رئيس اللجنة-، الصليب الأحمر جهة معروفة بانها صهيونية! صعقت، لم أعد أعرف بم أجيب، شعر رئيس اللجنة بتوتري فسأل: ما الذي يجري، أجابه الجعفري: سنسمح بتصوير الفيلم بشرطين، الأول أن تذكروا قرار الأمم المتحدة القاضي بانسحاب الاحتلال من الأراضي المحتلة بعد عام 1967، والثاني أن تصوروا القرية التي تتحدثون عنها. قلت: وكيف سأصور فيها وهي محتلة؟ قال الجعفري لرئيس اللجنة وهو يحاول تجاهلي: دع مكتبكم في تل أبيب يصور. فأجاب رئيس اللجنة: ليس لدينا محترفو تصوير، كما أن السلطات الإسرائيلية لن تعطينا إذنًا للتصوير. فقال الجملة التي أرقتني بعدها لشهور: ولم تتوقع مني أن أسمح لك إن كانوا هم لا يسمحون! قلت محاولة تهدئة الأجواء: لم لا تسمح لنا يا دكتور، بتصوير الفيلم وعرضه عليك وإن لم يعجبك، امنعه. فالتفت إلي باستهزاء وقال مشيرًا إلى خزانة موضوعة خلفه: جربي صوريه، وما رح يطلع من هالخزانة..

هكذا منع فيلمي الأول قبل أن يصور، على باب مكتب الجعفري اعتذر مني رئيس اللجنة: لقد سعدت بالتعرف إليك والتعامل معك، وأنا متأكد أنك فتاة موهوبة، ولكنني بذلت كل ما أستطيع، وقد قامت حكومة بلدي بتمويل فيلمك فيما منعته حكومة بلدك…

حكومة بلدي التي حاولت الاحتجاج لديها على هذا القرار الجائر، وغير المبرر، فلم ألق أي أذن مصغية، والتي لم أستطع حتى اليوم أن أفهم سبب منعها لفيلمي، سوى من تكهنات بأن فضح أوضاع اللاجئين الجولانيين ستفتح باب التساؤل عن كمية هائلة من المساعدات تم تلقيها لتحسين أوضاعهم.

منذ اندلاع الثورة، وكلما انعقد اجتماع للأمم المتحدة، وتكلم فيه الجعفري، تذكرت إشارته تلك، وتخيلت خزانته، مليئة بأشرطة عليها كل الحقائق، كل الصور، كل ما يجري في المعتقلات، كل المقاطع التي تسجلها الكاميرات المرافقة للجيش، ولقطات من فيلمي الأول الذي لم يكن.  

الأحد، 28 يوليو 2024

افتتاح الألعاب الأولمبية

 

افتتحت في باريس يوم الجمعة الدورة الثالثة والثلاثين للألعاب الأولمبية الصيفية في حفل تاريخي خرج للمرة الأولى من الملاعب. تم تنظيم حفل الافتتاح بحيث استخدم نهر السين كمسرح للحفل، ومدينة باريس ومعالمها المميزة كديكورات للحفل. انساب الحفل كقصيدة شعرية في حب باريس وتنوعت مشاهده بين مصور وحي للاحتفاء بتاريخ فرنسا وتراثها وثقافتها. انقسم الحفل إلى موضوعات، ركزت على قيم الجمهورية الفرنسية من حرية ومساواة وإخاء وتكافل، كما ركز على قيم التنوع وتقبل الآخر والتسامح والحب، كما خصص في الحفل فصل عن الأختية، ظهرت فيه تماثيل لنساء فرنسيات من داخل نهر السين لتكريم تميزهن في المجالات العلمية والأدبية والاجتماعية والسياسية كجيزيل حليمي المحامية المدافعة عن حقوق النساء وأليس غيي أول منتجة ومخرجة في تاريخ السينما ولويز ميشيل المناضلة الأناركية في كومونة باريس وغيرهن.

كان الحفل مبهراً في كل تفاصيله بما فيها مرور الفرق الأولمبية المشاركة في قوارب باريسية، ولا يمكن للمشاهد إلا أن يتعجب من كيفية إدارة مجاميع بهذا الحجم ومن احترافية التوقيت في كل تفصيل في حفل ضم حوالي ألفي مؤد وعشرين ألف عامل وفني. ولا بد من تحية الرؤية الإخراجية الفذة للمخرج الفني توماس جولي الذي أدار العرض ووضع التصور الفني بمساعدة لجنة من المختصين، ومن التعبير عن الإعجاب الشديد بلاعب الباركور الذي حمل الشعلة على مدار العرض وسار بها على أسطح باريس والذي لم نر وجهه.

تكرر التعليق في البث التلفزيوني المرافق للعرض عن التأثير والمشاعر المشحونة التي حملها العرض، ولعل أكثر اللحظات تأثيراً هي الاحتفاء بالثورة الفرنسية الذي توج بتكوين لوحة دولاكروا الشهيرة "الحرية تقود الشعب" من أجساد راقصين، بالإضافة إلى شدو المغنية أكسيل سان سيريل النشيد الوطني الفرنسي من على سطح القصر الكبير في باريس، ومشهد الرقص المعلق على "سقالات" كنيسة النوتردام في إشارة إلى قرب انتهاء أعمال ترميمها بعد حريق العام 2019. كما كانت عودة سيلين ديون للغناء بعد أربع سنوات من الانقطاع بسبب وضعها الصحي مؤثرة لكثير من معجبيها.

لم يخل الحفل من حس الفكاهة، من لحظة البداية التي يسلم فيها الكوميديان الشهير جمال دوبوز الشعلة الأولمبية إلى زين الدين زيدان زيدان ملقباً إياه بزيزو المسيح، مروراً برقص الحرس الجمهوري خلف المغنية آية ناكامورا، وانتهاء بمشهد كرتوني للمينيونز في غواصة تحت السين.

انتهى الحفل بوصول العلم الأولمبي بعد أن قطع حصان ميكانيكي نهر السين وخرجت خيالة حقيقية من تحت برج إيفل حيث تجمع حملة الرايات من كل الفرق الاولمبية لتستلم الراية وترفعها، لينقل بعدها زيدان الشعلة الاولمبية إلى رافايل نادال الذي نقلها بدوره إلى عدد من أكبر الأبطال الأولمبيين والبارا أولمبيين لتنتهي إلى يد معمر من الأبطال الأولمبيين في كرسي متحرك وقد بلغ المئة عام ثم إلى ماري جوزيه بيريك وتيدي راينر اللذين أشعلا معاً الشعلة المنطاد لتطير وتحلق فوق سماء باريس.

نجح الرهان الفرنسي في إنجاز حفل افتتاح لم ير له العالم مثيلاً ولم يعكر صفو الحفل سوى الأمطار التي بدأت تنهمر بغزارة في النصف الثاني من الحفل ولم تتوقف حتى نهايته، ولم تسجل خلال الحفل حوادث أمنية خطيرة وهو الأمر الذي كان يمثل القلق الأكبر عندما أعلن عن خطة المنظمين الخروج من الملعب، وقد تطلب تأمين الحفل الذي امتد على ستة كليومترات من نهر السين تحرك خمسة وأربعين ألفاً من قوى حفظ الأمن في الجيش والشرطة، وقد أرسلت دول عدة تعزيزات شرطية للمشاركة في تأمين الحفل ومنها الشرطة القطرية، ولكن هذا النجاح لا يعني أن يوم الافتتاح قد مر بسلاسة، فقد أدت عمليات تخريب تعرضت لها السكك الحديدية من خلال حرائق مفتعلة في مناطق متعددة من فرنسا إلى تعطيل حركة القطارات وتأثر ثمانمئة ألف مسافر، ولم يعرف بعد من نظم هذه الأعمال بين توقعات من كونها جماعات من اليمين المتطرف أو اليسار المتطرف أو حتى من عملاء روسيا المستبعدة من الألعاب الأولمبية.

استمرت حتى الليلة التي سبقت الافتتاح المظاهرات والاحتجاجات التي طالبت باستبعاد اسرائيل من المسابقة كما تم استبعاد روسيا بعد غزوها لأوكرانيا، لكن اللجنة الأولمبية لم تتجاوب مع المطالب ولم تعلق على ازدواجية المعايير بالسماح لفريق الاحتلال بالمشاركة رغم الإبادة الجماعية التي تقودها قواته في غزة. لكن الترحيب والتصفيق الحار الذي رافق الإعلان عن فريق فلسطين المشارك في الألعاب يدل حتماً على الشعور العام الفرنسي والتعاطف مع المدنيين الفلسطينيين. 

رغم نجاح الحفل وجمالياته، لا يمكننا أن ننسى أن لحظة افتتاح الألعاب الأولمبية تترافق مع أزمة معيشية خانقة يعيشها المواطن الفرنسي، وقد عبر المواطنون عن استيائهم من ارتفاع أسعار بطاقات حضور الحفل الافتتاحي التي وصلت إلى 2700 يورو، مما يجعل الحصول عليها مستحيلاً للمواطن العادي إلا من خلال يانصيب وزعت الدولة من خلاله بعض البطاقات مجاناً، بالإضافة إلى أن الحياة أصبحت مستحيلة للباريسيين الذي يعيشون حياتهم الطبيعية داخل المدينة، إذ تعذرت الحركة بسبب إغلاق الطرقات ونشر الحواجز التي تدقق في تصاريح الدخول الخاصة بالمواطنين، وانتشار 44 ألف حاجز معدني يقطع أوصال المدينة وتضاعف أسعار بطاقات النقل العام وارتفاع الأسعار بشكل جنوني، وفرض أشكال من الرقابة على المواطنين من خلال كاميرات المراقبة. كما لم تتوقف الجمعيات الإنسانية من الإشارة إلى عمليات "التنظيف الاجتماعي" التي تمت أثناء التحضير للافتتاح، حيث تم طرد كل المشردين واللاجئين من طرقات باريس، ولم تقدم لهم الدولة أي سكن بديل رغم أن ميزانية إعادة إسكانهم لا تشكل أي عبء بالمقارنة مع المبالغ الخيالية التي دفعت لاستقبال الألعاب الأولمبية، على سبيل المثال كلفت عملية تنظيف مياه السين لتصبح قابلة للسباحة 1.4 مليار يورو بينما تقدر كلفة إعادة الإسكان بنحو 10 مليون يورو. وقد نظم ناشطون وقفة احتجاجية مضادة للافتتاح في ساحة الريبوبليك، احتجاجاً على ممارسات الدولة الفرنسية في سبيل استضافة الألعاب، وقد رفرف العلم الفلسطيني إلى جانب رايات الجمعيات المنظمة، تقول ممثلة الاتحادات النقابية "الألعاب الأولمبية تكثيف للرأسمالية التي تدمر كوكبنا: إجلاء سكان قسري، كارثة بيئية وازدراء طبقي"، ولا بد من الإشارة إلى تأكيد الدولة الفرنسية على أن هذه الألعاب ستكون الأكثر استدامة بل والترويج لذلك دون توقف رغم كل احتجاجات الناشطين البيئيين الذين يرون أن لا قيمة لأسرة كرتونية في القرية الأولمبية مقابل كل بطاقات الطائرات وبصمة الكربون الهائلة التي تنتجها الألعاب.   

كما لا يمكن عزل الألعاب الأولمبية عن السياق السياسي الفرنسي، إذ تم الافتتاح في لحظة تمثل قمة التوتر السياسي الفرنسي الداخلي، فمنذ حل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون البرلمان، كان التخوف الرئيسي هو الاضطرار إلى تغيير وزير الداخلية الذي يخطط وفريقه منذ عامين لتأمين الحفل قبل الافتتاح مباشرة، وهو ما لم يفعله الرئيس متهرباً من الاستحقاق الانتخابي الذي يفترض أن يقوم الرئيس بتسمية رئيس وزراء جديدة من الأغلبية التي ربحت الانتخابات البرلمانية أي من الجبهة الشعبية الجديدة المؤلفة من ائتلاف الأحزاب اليسارية.

رغم كل التوترات، نجح حفل الافتتاح في تسجيل إنجاز تاريخي لفرنسا حيث أنجزت حفلاً غير مسبوق، قامت تفاصيله على فهم عميق للجمال وعلى احتفاء بالثقافة والحب والتاريخ، ولكن ذلك لا ينفي أن لحظة الفرح لن تغطي على كل الغضب والتهميش الذي يعيشه الموطنون، ولن يغطي على الاستحقاق السسياسي الذي يحاول ماكرون تمييعه بحجة استقبال الألعاب الأولمبية.  

 

 

 

 

 

 

الأربعاء، 6 مايو 2020

استثناءات في الأسدية إعلاميًا


منذ استلام حافظ الأسد للسلطة في العام 1970، اعتادت العصبة الأسدية على إدارة شؤون الأسرة بشكل سري للغاية، وعلى ألا يتسرب من شؤونها إلى العامة رسميًا أي خبر. واعتاد السوريون على مر السنوات الخمسين الثقيلة على تناقل الإشاعات، وتكهن ما يجري داخل العائلة الحاكمة، وعلى نقل أخبار شفهية من مصادر "موثوقة" ومن "دوائر مقربة"، دون أن يحصلوا يومًا على تأكيد أو نفي رسمي.
سمعنا على مر السنوات الكثير من الهمسات حول رفض حافظ الأسد أو ابنه باسل لزواج بشرى من آصف شوكت، وروايات لسبب غياب زوجة الأسد الأب أنيسة عن الساحة تمامًا بعد أن رافقته في بداية حكمه في زيارات رسمية، ولم تفسر أي رواية سبب تغييبها الكامل منذ الثمانينيات عن أي مناسبة، كما انتشرت إشاعات عن مرض حافظ الأسد ورويت قيلًا عن قال دون أي تأكيد سوى اصفرار لون وجهه ونحوله عامًا بعد عام.
في فترة حكم الأسد الابن، انتشرت الشائعات عن أن بشار يرغب في الإصلاح والتحديث، فيما يتمسك أخرون في العائلة بالعنف والقمع كوسيلة وحيدة للحكم. وأما بعد الثورة فقد انتشرت روايات عديدة عن خلافات أسرية وخلافات سياسية وعن تمزق في نسيج الأسرة.
خرجت العصبة الأسدية عن عادتها في التكتم على ما هو خاص عدا الجنازات والظهور المخصص لوسائل الإعلام الأجنبية خلال خمسين عامًا مرتين فقط، ولهاتين المرتين دلالات عديدة يمكننا التأمل فيها وفي أسبابها، ولكن الملفت في الحالتين هو كسر تقليد صارم فرض منذ العام 1970، وهو أن ما يجري داخل الأسرة يتم التعامل معه بسرية تامة ودون الخروج به إلى العلن.
كانت المرة الأولى والخروج الأكبر عن عادة الأسديين في التكتم هي إعلان إصابة أسماء الأسد بالسرطان، ونشر صورتها وهي في المشفى العسكري تتلقى العلاج وإلى جانب سريرها يجلس زوجها ممسكًا بيدها مساندًا على وسائل التواصل الاجتماعي. أما المرة الثانية فهي خروج رامي مخلوف ابن خال بشار الأسد بفيديوهات علنية على الفيسبوك ليناشد بشار بإعادة النظر في الضرائب المفروضة على شركته.
عندما تم الإعلان عن مرض أسماء الأسد، كانت المعارك وتغطيتها الدولية قد تجاوزت تمامًا وجود بشار الأسد في السلطة، وتحولت التغطية الإعلامية لسوريا إلى شقين، شق حربي يتناول الفصائل المتحاربة على الأرض ويعدد الضحايا، وشق سياسي تجري كواليسه بغياب كامل للنظام السوري، وتتصدر روسيا في الحالتين الخبر السوري، وكانت صورة بشار الأسد الدولية تحولت إلى مرادف للمجرم القاتل والديكتاتور. كان لنشر خبر مرض أسماء الأسد مع الصورة التي رافقته دور هام في إعادة بشار الأسد إلى ساحة الإعلام الدولي ومن زاوية جديدة، تهدف إلى إعادة تطبيع وجوده وإلى أنسنته في الوقت نفسه، إذ يتحول في نظر الرائي ولو للحظة إلى الزوج المتألم المتعاطف، ويبدو أن شركات العلاقات العامة التي تدير صورة الزوجين لا تزال تعمل بالمنطق الذي عملت على تقديمهما فيه للغرب في بداية فترة حكمه، ولكن الاستثناء هنا أن الصورة لم تكن موجهة للغرب فقط وإنما لجمهور الداخل السوري على حد سواء. قد يبدو غريبًا على الأسدية إظهار أي شكل من أشكال الضعف، ولا سيما المرض، ولكن الإعلان عن مرض أسماء الأسد سرعان ما تحول إلى حكاية "انتصار" على السرطان شبهتها أسماء الأسد نفسها في لقائها اليتيم مع التلفزيون السوري في آب 2019 "بانتصار" سوريا على الإرهاب. ولعل المعرفة بمسار المرض ودرجة الإصابة هي ما سمح بهذا التجاوز الهائل في السرية الأسدية.
في الحالة الثانية، يسجل رامي مخلوف فيديو أول يخاطب به "السيد الرئيس" وليس ابن عمته ويطالبه بإعادة النظر في الضرائب الجائرة التي فرضت على شركته ثم يرجوه إن كان لابد من دفع المبلغ أن يعطيه للفقراء والمحتاجين من المجوعين من قبل "طاقم" أشخاص سيئين يخفون الحقيقة عن "السيد الرئيس". وتجدر الإشارة إلى أن الإشاعات التي تتحدث عن خلافات بين بشار ورامي أو بين بيت مخلوف وبيت الأخرس (عائلة زوجة الأسد) أو بين رامي وأسماء نفسها، يتم تناقلها قيلًا عن قال وعلى وسائل التواصل الاجتماعي منذ سنوات.
بداية، تبدو رغبة مخلوف واضحة بكسب جانب من مؤيدي النظام أو حتى تهديد جمهور النظام بأن الضغط عليه إلى هذه الدرجة سيؤدي إلى مزيد من التجويع بحقهم، ولعله كان يظن أنه من الممكن أن يثير تعاطفهم إن هو طلب أن يحصلوا على نقوده.
لابد من التوقف تاليًا عندد اللغة الدينية المستخدمة في الخطاب، والتي تستند إلى التقى والتي ترجع الفضل إلى الله وحده وتذكر بشار الأسد بأنه مستخدم من قبل الله لخدمة البشر، وهي لغة دخيلة تمامًا على الأسديين ودوائرهم، ولكن وبسبب أن رامي مخلوف لم يسبق أن ظهر سابقًا إعلاميًا سوى بتصريح رسمي سابق حول تحوله إلى العمل الخيري، لايمكننا التأكد من أن هناك تحولًا في خطابه وأن هذه ليست طريقته الأصيلة في التعبير عن نفسه.
إن ما يمثل الخروج عن التراتبية الأسدية والطريقة السرية في العائلة هو توجه رامي مخلوف إلى الرئيس وكأنه ليس فردًا من العائلة، وكأنه يمتلك هذه الثروة والأعمال ليس بصفته جزءًا من العصبة الحاكمة، وكأنه لايستطيع – ويبدو أنه في الظرف الحالي كذلك – الاتصال ببشار الأسد ولا يمكنه الوصول إليه إلا على الملأ وعلنًا.
تتكرر في الفيديو الأول لمرات عديدة كلمة الدولة، ولا يبدو واضحًا ما الذي يقصده مخلوف بكلمة الدولة، فتارة يستخدمها للحديث عن الحكومة وتارة عن اللجنة التي طلبت منه الضريبة وأخرى عن القطاع العام الشريك له في شركاته ولكن يبدو واضحًا أنه يقصد النظام عندما يشير إلى أن الضرائب التي تدفعها شركاته ساهمت "في بناء هالدولة"، مما قد يبدو تلميحًا إلى دور ما يدفعه في ترسيخ النظام وقدرته الشرائية في السنوات الماضية، كما يذكر الأسد بأن انسحابه من الحياة العامة  في العام 2011 كان لتجنب "إحراج" بشار الأسد وكي لا يتحول رامي إلى "عبء عليه".   
من الملفت أيضًا استخدام مخلوف لكلمتي القهر والظلم، ولعله كان يظن بذلك أنه يتماهى بذلك مع من يعرفون ظلم وتجبر بل وتشبيح "السيئين"، ولكن ذلك التحليل إن صح يدل على سذاجة شديدة من قبله ولا سيما أنه ممن وجهت ضدهم هتافات خلال الثورة بالاسم وأنه معروف بلقب الحرامي.
رغم التواضع الشديد الذي يزعمه مخلوف في الفيديو، يبدو واضحًا اعتداده الشديد بدوره ومكانته ومكانة شركاته وقدرته على المساهمة في اقتصاد سوريا، ويبدو أنه يبشر أن انهيار شركاته لن يكون بمصلحة أحد، وربما هنا أيضًا يقصد النظام وليس البلد.
 قد تكون الرسالة المرجوة ليست موجهة إلى من تتم مناشدته في الفيديو، قد يكون محاولة يائسة لتوسيط طرف ثالث، وعندها يصبح اللجوء إلى العلنية مبررًا أكثر، ولو أن الوساطات عادة ما تتم تحت الطاولة وبسرية.
يبدو رامي مخلوف بظهوره هذا خارج العصبة الأسدية ولعل هذا هو الهدف الأول والأخير من هذا الظهور العلني، ولكنه بالمقابل لا ينفصل عنها، إذ لا يوجد أي إشارة في أن هذا الفيديو "انشقاق" بشكل أو بآخر عن النظام وإنما ببساطة هو إعلان عن الخلاف وتحميل مباشر لمسؤولية حله لبشار الأسد شخصيًا.
يظهر رامي مخلوف بعد يومين من الفيديو الأول بتسجيل ثان أكثر مباشرة وربما أكثر يئسًا، ولكن تحليل معنى رسالته لا يمكن أن يكتمل إلا بمعرفة مكان تسجيله، إذ يبدو الفيديو إعلانًا صريحًا لمعركة لن يخرج منها مخلوفًا إلا قتيلًا أو منتصرًا في حال كان ما يزال في سوريا، أما إن كان خارجها فإن المناورات المتاحة أكبر وأوسع، والسيناريوهات المطروحة تكون أكثر تعددًا.
لا بد من التوقف عند نقطتين أساسيتين في الفيديو، الأولى هي اعتراف رامي مخلوف بدعمه المباشر للمخابرات السورية و"رعايته" لها، والاعتراف أيضًا بأن شركات الاتصالات التابعة له قامت بدورها لخدمة الأمن والجيش، وهو إثبات على ما كان متوقعًا من مراقبة أجهزة الموبايلات واختراق خصوصية المشتركين. أما الثانية فهي أن انتهاك الأجهزة الأمنية لحريات الناس في نظر مخلوف يبدأ اليوم بالتعدي على الموالين وجمهور الأسد. وفي هاتين النقطتين بالذات خروج غير مسبوق على الأعراف المافيوية التي تحكم العصبة الأسدية، إذ لم يصح يومًا أن يعترف أي منهم بما فعل أو بما يعرف، ولم يحصل يومًا أن يقوم أي من المقربين من الأسديين بتناول الأجهزة الأمنية وممارستها علنًا ولعلنا نستنتج من هذه النقطة أن الشقاق لا عودة عنه ولا صلح بعده.
يبدو واضحًا في الفيديو أن خصم مخلوف ليس الأجهزة الأمنية بل السلطة نفسها، أي قلب العائلة الأسدية - ولو أنه ما زال يتجنب المواجهة المباشرة مع بشار الأسد نفسه -، ويعلن مخلوف هنا بوضوح عدم استعداده للانسحاب والتنازل بل ويعلن المعركة تحت عنوان "المنعطف المخيف" ويبشر "بعقاب إلهي" في حال تعنت النظام وإصراره على انسحاب مخلوف.  
نهاية لا يمكن الجزم بأن حالتين فرديتين يمكن اعتبارهما دليلًا على تغير نمط العقلية الأسدية لصورة العائلة الحاكمة، إذ تبدو الحالة الأولى مناورة علاقات عامة والثانية محاولة إعادة بناء للصورة في ظرفين يائسين، ولكن النتائج المرجوة من الظهورين قد لا تأتي أكلها بالنسبة للعائلة بعد أن تعود السوريون على عدم تصديق أي ما يصدر عنهم ليس فقط منذ اندلاع الثورة بل منذ استلام الأسد الأب للسلطة.    



الجمعة، 29 مايو 2015

تعقيب على "تحديق في وجه الفظيع"

كتب ياسين الحاج صالح في موقع الجمهورية مقالًا بعنوان "تحديق في وجه الفظيع". http://aljumhuriya.net/33487 قال في مقدمته:
بين المهتمين بالصورة في سورية سجال متموج، يشبُّ حيناً ويخبو حيناً، حول عرض صور الأجساد المحطمة أو المحروقة، والأشلاء وفديوهات التعذيب ومشاهد القتل، أو عموماً حول صور السوريين في انكشافهم الكبير على أنفسهم وعلى العالم طوال 50 شهراً ونيف. قبل شهور نشر «أبو نضارة»، وهو تجمع سينمائيين سوريين ينتج فيلماً قصيراً واحداً كل أسبوع، بياناً أدان فيه «تمريغ كرامة» الناس «من خلال عرض صور أجسادهم المعذبة على شاشات العالم دون موافقتهم، الأمر الذي يسيء لكرامة السوريين والإنسانية جمعاء»، وبنى على ذلك مبدأ «حق الإنسان في صورة كريمة أياً كانت الظروف». وأطلق التجمع أيضاً مبادرة عنوانها: صورة السوري ما بتنذل! والعنوان مبني، مثلما هو معلوم، على غرار شعار رفع في تجمع احتجاجي باكر في دمشق قبيل الثورة، وهتف فيه المتجمعون: الشعب السوري ما بينذل!
ذكرني هذا المقال والجدل الذي طرحه، بلقاء شاهدته مرة مع المخرج الأمريكي "أوليفر ستون" حول فيلمه "قتلة بالفطرة"، حيث كان المذيع يتهم الفيلم بأنه شديد العنف بل يروج للعنف والكراهية. واستوقفني وقتها طويلًا رد أوليفر ستون، وصرت أذكره كلما شاهدت فيلم أكشن أمريكي، إذ قال فكرة مفادها أنه يعتبر أن من يروج للعنف هو من يجعل الموت على الشاشات يبدو سهلًا، فبطلقة واحدة ودون ألم يتساقط العشرات في كل فيلم حركة نشاهده اليوم على الشاشات، فيما أراد ستون في فيلم قتلة بالفطرة أن يوضح بشاعة العنف من خلال الخوض في تفاصيله، فاستسهال الأفلام للرصاصة التي تقتل تؤدي إلى استسهال المجتمع للعنف.
وهذه الفكرة تقودنا إلى أسئلة كثيرة، وهي كيف نستخدم صور الثورة السورية المستمرة في العمل الفني؟ هل ننسخها كما هي؟ أم نقدم معالجة لها؟ أم نصفع العالم بها (وهو ما فعله فيلم ماء الفضة على سبيل المثال)؟ أم نهضمها ونعيد إنتاجها؟ ماذا نفعل بكم هائل من الصور انسكب علينا ليعيد تعريف كل شيء في أعيننا؟ فما هي الإنسانية والكرامة وحقوق الإنسان في ظل أن العالم يعلم ما يجري في المعتقلات ولا يفعل شيئًا لإيقاف هذه المجزرة العلنية اليومية؟
أعتقد أن أولى مسؤولياتنا اليوم كعاملين في المجال الفني هي تجميع أكبر قدر ممكن من القصص والصور، كي لا يطويها النسيان، وألا ننسى أن الصور في الفن ليست لاستخدامها اللحظي فقط، بل هي لنعيد إنتاجها لاحقًا بعد أن نرى الزاوية التي نريد أن نتناولها منها.
هنا أرغب أن أورد مثالًا شخصيًا: لم أستطع يوميًا، أن أستمع إلى قصص التعذيب في سجن تدمر الرهيب، وتجنبت لسنوات طوال أن أتواجد في جلسة من هذا القبيل، رغم أنها كانت تحدث بتواتر غير قليل في محيطي، كما أحجمت بعد الثورة عن سماع تفاصيل التعذيب من أصدقائي الذين تعرضوا له، ولكن بحثت دومًا، لإحساسي بعجزي وضعفي عن سماع تلك القصص عن جانب آخر من الحكاية، والميزة هي أنني حصلت على كم من الصور لا يمكن أن أنساه في حياتي، أحدها أن معتقلًا "بالخطأ" ظل في سجن تدمر 14 عامًا، وبعدها نقل إلى سجن صيدنايا، وعند وصوله إلى "السجن المرفه" قدم له أحدهم كأس شاي، فرأى وجهه للمرة الأولى بعد 14 عامًا فلم يتعرف إلى نفسه، ومنها أن صديقي علم رفيقه الأمي في الزنزانة القراءة والكتابة من خلال استخدام قطعة صابون على بطانية، وأن صديقًا لم يعد يستطيع سماع صوت اللكم حتى في الأفلام بعد خروجه. كل هذه الزوايا التي تخرج عن الجثة الممزقة، ولا تخرج في آن، هي حق للضحية، حق للضيحة في تسجيل ما واجهته من ظلم وحيف وجور، وواجب الفنان هو البحث عن هذه القصص واختزانها وإعادة إنتاجها.
أما ما كان إشكاليًا من الصور كالصور المسربة ل11 ألف معتقل، أو صور الأشلاء تحت الأنقاض، أو الفيديوهات المسربة للتعذيب، والأكثر إشكالية على الإطلاق، صور الأطفال ضحايا المجازر الذين بالوا في ثيابهم من الرعب، فأجد أن استخدامها المباشر قد يكون صعبًا لأنها تفوق استطاعة البشر على الاحتمال، ولكن ذلك يحمل الفنان مسؤولية إضافية، بضرورة مشاهدة هذه الصور -رغم قسوة المهمة التي تشبه ابتلاع سكين- وحفظها جيدًا كي لا يضيع حق الضحية في تسجيل ما شهدته، وربما يمكن إيجاد صيغ فنية في المستقبل لإعادة إنتاج هذه الصور في سياق يمكن عرضه من خلالها على الشاشات، ولكن التكتم على مثل هذه الصور من باب احترام الضحايا سيجعلهم يضيعون بين آلاف الجثث، ويفقدهم إنسانيتهم التي لم يبق لهم منها إلا حقهم بالاعتراف بما ارتكب بحقهم.
لابد من الإشارة هنا، أن الجرائم الداعشية المصورة بتقنيات هوليوودية، تحمل في طياتها جانبًا من الجدل الذي نخوضه، فالذعر العالمي من داعش سببه بالدرجة الأولى هذه الأفلام التي لا يوجد في أحدها جريمة لم ترتكب من قبل النظام، لكن الفارق الوحيد بين الجريمتين هو الوثيقة العلنية. وهذا ما يجب لنا التفكر فيه حين نطالب بإخفاء صور من باب احترام الضحايا.
ورغم أن العالم الغربي لم يتفاعل مع الثورة السورية بالقدر الذي ارتجاه السوريون إلا أننا يجب أن لا ننسى أن فيديوهات اليوتيوب التي سجلها أبطال شجعان هي ما حركت مظاهرات داعمة للثورة في سنتها الأولى في كل أنحاء العالم.
لا صوت للضحية إلا في التوثيق، ولا كرامة ولاحق للإنسان السوري بعد كل ما ارتكب بحقه إلا صورته المتبقية. فهل من حقنا أن نسلبه هذا التعبير الأخير؟


لينك مقال "تحديق في وجه الفظيع": http://aljumhuriya.net/33487

الخميس، 26 فبراير 2015

"سبات شتوي" فيلم غير معجب ببطله

فيلم نوري جيلان الجديد الحائز على السعفة الذهبية في مهرجان كان هذا العام، والذي لم يتم ترشيحه لجائزة الأوسكار، سبات شتوي (وينتر سليب)، فيلم شديد الخصوصية.
 صحيح أن أفلام جيلان عمومًا هي أفلام خاصة وتمتاز بإيقاع بطيء، ونوع من الأداء التمثيلي شديد الواقعية، ولكن هذا الفيلم اختلف حتى عن أفلام جيلان السابقة بفارق أساسي وهو أن الفيلم يتناول شخصية أساسية ويقدمها لنا لنحبها، ثم يبدأ على مدى الساعات الثلاث من الفيلم بتعريتها أمامنا، كشخصية غير محببة، فوقية، وتعيسة. عدا عن ذلك،  يستخدم الفيلم بطله كوسيلة لانتقاد النخب المثقفة عمومًا، التي تريد أن تبدو منعزلة ومختلفة عن مجتمعها ولكنها في العمق تعجز عن الانسلاخ عنه .




  
يقدم الفيلم مستوى مذهلًا في الصورة، دون أن يبدو وكأنه يبذل جهدًا في سبيل ذلك، وإنما تبدو تلك الصورة الساحرة عضوية جدًا في حكاية هذا الممثل السابق، الذي لم ينجح في التحول إلى النجم الذي كان يطمح بأن يكونه، واعتزل في الأملاك التي ورثها عن والده.
في عدة مشاهد ذات فرضية واحدة، يجلس البطل خلف مكتبه ليكتب مقالته الأسبوعية لجريدة محلية، وتضجع أخته خلفه على كنبة وهي تقرأ، ويتناقشان في أمور شتى. يبدوان لنا عمومًا على وفاق، وتشغلهما الأمور الفلسفية والفكرية العميقة، إلى أن يتصاعد أحد هذه النقاشات يومًا في مشهد من أطول مشاهد الفيلم، ويتحول إلى مصارحة على كل الأصعدة، تجعل الشخصيتين تكشفان لنا جوانب من الآخر كانت خفية كل الفيلم، أوعلى الأقل اكتشفناها ولكننا لم نعلم أن الشخصيات اكتشفتها عن بعضها.


إن من يعري هذه العائلة التي تعيش في ظلال الحياة، وفي عمق الكراهية، هو العائلة الفقيرة التي تستأجر إحدى أملاك العائلة، وتعجز عن دفع الأجرة، ابن هذه العائلة هو من يضعنا لأول مرة في مواجهة بطلنا الساخر، لنكتشف أن سخريته هذه إنما تضمر ضمنها فشلًا وضعفًا، وفوقية لا مبرر لها.
يسير الفيلم بإيقاع متهاد، ليعرفنا شيئًا فشيئًا إلى مجتمع يرغب بفحصه بعدسة مكبرة، ويكشف لنا كل تفاصيله من خلال الأحاديث اليومية والملل الريفي والتفاصيل الصغيرة. ويبحث في علاقة الحب التي تجمع البطل بزوجته، الحب، من وجهة نظره، التي ترى كل الأشياء بمنظور غريب وتملكي.




لا يمكن أن يوصل الفيلم رسالته دون أن يشعر مشاهده بثقل الحياة التي يعيشها الأبطال، بالألم الذي يكابدونه لمحاربة تناقضاتهم، وبالجمود الذي يكبلهم. لا شك أن أفلام نوري جيلان هي أفلام تتطلب مشاهدين من نوع خاص، وتحتاج جمهورًا لديه صبر على الاكتشاف والكشف، ولكن العوالم المدهشة في سبر أعماق النفس البشرية في أفلامه تجعل هذا الإيقاع الخاص ضرورة وصيرورة لا بد منها، عدا عن أنها تترافق مع متعة بصرية لا مثيل لها إلا في نوادر وتحف السينما العالمية.

الثلاثاء، 24 فبراير 2015

أوسكار أفضل مخرج

بعد أن انتهى حفل توزيع جوائز الأوسكار، حسمت الأكاديمية رأيها في من هو أفضل مخرج لهذا العام، وحصد الجائزة أليخاندرو غونزاليس أنياريتو.
لكن ما حدث هذا العام، وهو أمر نادر الحدوث عادة، أن هناك مخرجين من المرشحين للحصول على جائزة الأوسكار قد قدما مقترحًا جديدًا في فيلميهما، الأول هو الحاصل على الجائزة، والآخر هو مخرج فيلم "بويهوود" ريتشارد لينكلاتر، وأعتقد أن المقترحين يستحقان مزيدًا من النقاش وإن كانت الأكاديمية قد حسمت رأيها لصالح أحدهما.



يقوم المقترح الذي بنى عليه أنياريتو رؤيته لفيلم "بيرد مان" على فرضية تقنية، وهي إنجاز الفيلم بلقطة واحدة، طبعًا مع الاعتماد على بعض المؤثرات لوصل بعض اللقطات ببعضها أي أن الفيلم يبدو وكأنه صور بلقطة واحدة ولكنه عمليًا مقسممم إلى أجزاء تم وصلها ببعضها لتبدو وكأنها لقطة واحدة، وهو بالطبع أمر شديد الصعوبة، يتطلب موهبة فذة في الإضاءة والتصوير، ويتطلب أيضًا جهدًا جبارًا من الممثلين الذين يؤدون المشاهد كاملة دون تقطيع، وإن ارتكاب أي شخص من المشاركين في المشهد لخطأ ما يؤدي إلى إعادته منذ البداية، وهو مقترح طموح للغاية، ولكن علينا أن نتذكر أن أول من قدم فيلمًا روائيًا طويلًا بلقطة واحدة، وإن كان مؤلفًا من 11 لقطة وصلت ببعضها هو هيتشكوك في فيلم الحبل، ولم يستطع هيتشكوك في حينها تنفيذ الفيلم عمليًا في لقطة واحدة لأن بكرة السينما حينها لم تكن لتتسع لفيلم كامل. ما يستحق النقاش هنا، هو هل كان هذا الخيار الإخراجي أفضل صورة يمكن أن يخرج بها النص؟ وهل طغى الخيار التقني على لحظات كان يمكن أن تخدم الحكاية بشكل أفضل لو أن الفيلم لم يعتمد هذه التقنية؟ الحقيقة أن بعض المشاهد بدا فيها هذا الخيار مفتعلًا وربما لو أن بعض المشاهد في الفيلم قطعت بالشكل التقليدي لأوصلت رسالتها بشكل أعمق وأوضح، ولكن كل هذا لا ينفي الإبهار المترافق مع هذه البنية الإخراجية، والدهشة التي تسببها هذه اللقطة الطويلة المستمرة من بداية الفيلم حتى نهايته تقريبًا.



أما مقترح لينكلاتر فيقوم على إنجاز تقني من نوع مختلف، وهو أن إنجاز فيلم عن المراهقة يتطلب تحول بطل الفيلم من الطفولة إلى الشباب أثناء تصوير الفيلم، لذا قام المخرج بتصوير فيلمه على مدى 12 سنة، كبر فيها بطل الفيلم أمام أعيننا وتغير شكله عدة مرات إلى أن أصبح شاباً، إن التحديات التي تواجه فيلمًا طموحًا كهذا أيضًا شديدة التعقيد والصعوبة، وأهمها ضبط لون وشكل وطبيعة إضاءة الفيلم على مدى سنوات التصوير المتباعدة، والقلق الدائم من خسارة أحد المشاركين في الفيلم لأي سبب كان خاصة أن القوانين لاتسمح بارتباط الممثلين بمشروع طويل الأمد كهذا، ولكن التحدي الأكبر هو تقسيم سيناريو الفيلم إلى أجزاء يمكن تصويرها على مراحل عمرية مختلفة للبطل دون أن يبدو الفيلم وكأنه عدة أفلام قصيرة صورت منفصلة ووصلت ببعضها. والسؤال هنا ما الذي قدمه هذا المقترح للفيلم؟ الحقيقة أنه قدم جوهر الفيلم إن لم يكن كليته، فالفيلم دون تلك الفكرة لا يمكن أن يوجد، إن نمو البطل وحتى محيطه من الشخصيات الأخرى، هو شرط الفيلم الذي فرضه على نفسه ولولاه لما كان ولما استطاع تقديم ما يراه من تحول تفرضه السنين التي يكبر فيها الطفل ليتحول إلى شخص كامل ناضج.



نادرًا ما يحصل ما حصل هذا العام، أن يقدم مخرجان ضمن مظلة السينما الأمريكية مادتين شديدتي الطموح والتعقيد، تتطلبان منا الكثير من التأمل والنقاش، وأن يتم ترشيحهما معًا لجائزة الأوسكار، وإن كانت الأكاديمية قد حسمت تفضيلها لصالح أحدهما فإننا نعتقد أن كلا الفيلمين يستحق التوقف عنده وأن كلا المخرجين يستحق الاحترام على روح المغامرة التي طغت على تجربتيهما.
نهاية لابد من الإشارة أن الفيلمين يندرجان تحت تصنيف الأفلام المستقلة والمشاريع الجنونية التي ما زالت هوليوود باستديوهاتها الضخمة تتجنب الخوض في أمثالها، وتفضل عليها مشاريع الأبطال الخارقين والأفلام التي لا تحاول أن تضيف أكثر مما يجب على عالم السينما الرحب. 

الخميس، 29 يناير 2015

العودة إلى حمص: الشجاعة التراجيدية

يقدم طلال ديركي في فيلمه العودة إلى حمص شهادته على تحولات الثورة السورية في عاصمتها حمص من خلال بطله عبد الباسط الساروت وشخصة أخرى أقل حضورًا ولكنها ذات تأثير كبير وهي شخصية أسامة.



عبد الباسط الساروت الذي يبدو في الفيلم بطلًا تراجيديًا حقيقيًا، يواجه الخيارات الصعبة لأنه لم يعد قادرًا على التراجع، يشعر رغم صغر سنه أنه مسؤول عن مدينة بأكملها، يحمل السلاح وهو الذي لم يكن مؤمنًا به كخيار، يتحول إلى قائد رغمًا عنه، يقاتل، يسعف، يدفن أصدقاءه، ويبني سورًا حول نفسه يمنعه من الانهيار والبكاء كطفل، ويتحول أيقونة وبطل فيما هو حقًا متعب، مرهق. تناقضات نجح الفيلم في نقلها وتصويرها، كما نجح أن ينقل من خلال الخط البياني لشخصية الساروت، كم الخيبات والخسارات التي مني بها شباب الثورة، فهو الذي كان في بداية الفيلم مرحًا، لا تفارق الابتسامة وجهه، يتحول في نهايته إلى شاب متجهم، ينعي رفاقه وينقل أخبار استشهادهم إلى من خرجوا. ولكنه لا يتزحزح لحظة طوال الفيلم عن إيمانه بأنه على حق، وبأن مطلب شعبه الذي انحاز إليه بالحرية والكرامة هو ما يجب أن يكون، ويقوده إيمانه هذا وشجاعته النادرة إلى التمسك بخياراته حتى وإن أجبر عليها.

أما أسامة فهو ذاك الشاب الرقيق، الذي لم يحمل سوى كاميرته، لم يرغب بالانخراط في العنف، وبكى كل الشهداء.
 يصور لنا الفيلم أسامة وهو يحضر جنازات متعددة، ويداري دموعه عن الكاميرا. أسامة المعتقل، الذي انقطعت أخباره، بعد أن أصيب بشظية هاون، يصور طوال الفيلم مدينته التي دمرت، وتفاصيل حياة أصدقائه وتحولاتهم.

ينجح طلال ديركي رغم كمية المواد المصورة لديه على مدى سنوات ثلاث، في أن يحبك فيلمًا متماسكًا، يروي حكايته ببساطة وسلاسة.  يختصر الفيلم في دقائقه الأولى المرحلة الأولى من الثورة السورية، المرحلة السلمية، وتحول عبد الباسط  من حارس كرة قدم إلى نجم المظاهرات بفضل الأهازيج التي يغنيها. ومن ثم ينقل لنا انتقال هذا الشاب الشجاع من الخيار السلمي إلى المسلح، بسرد بصري يترافق مع تهدم "موقع تصوير" الفيلم تباعًا، ألا وهو مدينة حمص.



فكرت طويلًا وأنا أشاهد الفيلم، ترى ماذا كنت سأشعر لو كنت ابنة هذه المدينة؟
في لقطة طويلة يسير خلالها المخرج وهو يصور خلف أحد الشباب، من خلال البيوت التي فتحت بينها فتحات لحماية المقاتلين من القناص،  كنت أفكر، كيف سيشعر أحدهم إن كان أحد هذه البيوت بيته؟ هل سيسعد لأنه شاهد لمحة من بيته؟ أم سيغضب لأنهم حفروا جداره؟ أم سيفرح لأن الثوار احتموا به؟ أم سيخاف من عقاب النظام لأن الثوار مروا من داخل بيته؟
في مشهد آخر، يقوم سائق بإيصال المخرج وأسامة من مكان إلى آخر، دون أن يشعل ضوء السيارة خوفًا من القناص، فكرت، ترى، هل يسترجع كل مر بهذه التجربة نفس خفقان القلب كلما شاهد هذه اللحظة؟ هل تتراءى له أشباح القناصين وأصوات الرصاصات المرعبة التي لايعرف أين ستستقر؟ هل يتذكر أن هذا الشارع كان يقطعه بكل بساطة دون أن يكون حدًا بين منطقة وأخرى؟
كيف يشعر ابن المدينة وهو يرى تلك الشوارع التي عرفها حيًا حيًا، وترك في حواريها ذكرياته، حبه الأول ربما، قبلة مسروقة، حكايات جدته،  رائحة مطبخ أمه، زعرنات شباب حارته، روحه، كيف يشعر وهو يراها تنطوي فوق نفسها متحولة إلى ركام؟
تغيب المدينة وتحضر في الفيلم، فهو لا يعلق على انهيار أبنيتها إلا لمامًا، عندما يتعلق الموضوع ببطليه اللذين يقصف منزل كل منهما، ولكنها تحضر بقوة في كل لقطاته.



يظهر المخرج في بداية الفيلم ونهايته، ويروي لنا الحكاية بصوته، يحكي لنا كم أحب أبطاله وكم تورط في قصتهم، كم تألم لخذلانهم، وكم آمن بشجاعتهم، وكم خشي عليهم من مصير رفاقهم الذين سبقوهم. ويحكي لنا كيف ودعه الساروت عائدًا إلى حمص، إلى مصير مجهول، وابتلعه الظلام.

تمر في الفيلم لحظات، تشعر المشاهد بوطأة الظلم الذي وقع على هؤلاء، وتشحنه بالعواطف وبالخيبات إلى درجة أنه ما إن ينتهي الفيلم حتى يكون قد مر بتجربة إنسانية قاسية ومرة، ويكاد يشعر بصغره أمام بطولات هؤلاء الشجعان.


أما من يعمل في المجال الفني، فلا بد أن يحسد المخرج ومصوري الفيلم على شجاعتهم النادرة هم أيضًا، وعلى التجربة الإنسانية والفنية الرفيعة التي خاضوها من أجل تحقيق فيلم، سيبقى دومًا كوثيقة سجلت أهم اللحظات والتحولات التي مرت بها الثورة السورية.