الثلاثاء، 24 فبراير 2015

أوسكار أفضل مخرج

بعد أن انتهى حفل توزيع جوائز الأوسكار، حسمت الأكاديمية رأيها في من هو أفضل مخرج لهذا العام، وحصد الجائزة أليخاندرو غونزاليس أنياريتو.
لكن ما حدث هذا العام، وهو أمر نادر الحدوث عادة، أن هناك مخرجين من المرشحين للحصول على جائزة الأوسكار قد قدما مقترحًا جديدًا في فيلميهما، الأول هو الحاصل على الجائزة، والآخر هو مخرج فيلم "بويهوود" ريتشارد لينكلاتر، وأعتقد أن المقترحين يستحقان مزيدًا من النقاش وإن كانت الأكاديمية قد حسمت رأيها لصالح أحدهما.



يقوم المقترح الذي بنى عليه أنياريتو رؤيته لفيلم "بيرد مان" على فرضية تقنية، وهي إنجاز الفيلم بلقطة واحدة، طبعًا مع الاعتماد على بعض المؤثرات لوصل بعض اللقطات ببعضها أي أن الفيلم يبدو وكأنه صور بلقطة واحدة ولكنه عمليًا مقسممم إلى أجزاء تم وصلها ببعضها لتبدو وكأنها لقطة واحدة، وهو بالطبع أمر شديد الصعوبة، يتطلب موهبة فذة في الإضاءة والتصوير، ويتطلب أيضًا جهدًا جبارًا من الممثلين الذين يؤدون المشاهد كاملة دون تقطيع، وإن ارتكاب أي شخص من المشاركين في المشهد لخطأ ما يؤدي إلى إعادته منذ البداية، وهو مقترح طموح للغاية، ولكن علينا أن نتذكر أن أول من قدم فيلمًا روائيًا طويلًا بلقطة واحدة، وإن كان مؤلفًا من 11 لقطة وصلت ببعضها هو هيتشكوك في فيلم الحبل، ولم يستطع هيتشكوك في حينها تنفيذ الفيلم عمليًا في لقطة واحدة لأن بكرة السينما حينها لم تكن لتتسع لفيلم كامل. ما يستحق النقاش هنا، هو هل كان هذا الخيار الإخراجي أفضل صورة يمكن أن يخرج بها النص؟ وهل طغى الخيار التقني على لحظات كان يمكن أن تخدم الحكاية بشكل أفضل لو أن الفيلم لم يعتمد هذه التقنية؟ الحقيقة أن بعض المشاهد بدا فيها هذا الخيار مفتعلًا وربما لو أن بعض المشاهد في الفيلم قطعت بالشكل التقليدي لأوصلت رسالتها بشكل أعمق وأوضح، ولكن كل هذا لا ينفي الإبهار المترافق مع هذه البنية الإخراجية، والدهشة التي تسببها هذه اللقطة الطويلة المستمرة من بداية الفيلم حتى نهايته تقريبًا.



أما مقترح لينكلاتر فيقوم على إنجاز تقني من نوع مختلف، وهو أن إنجاز فيلم عن المراهقة يتطلب تحول بطل الفيلم من الطفولة إلى الشباب أثناء تصوير الفيلم، لذا قام المخرج بتصوير فيلمه على مدى 12 سنة، كبر فيها بطل الفيلم أمام أعيننا وتغير شكله عدة مرات إلى أن أصبح شاباً، إن التحديات التي تواجه فيلمًا طموحًا كهذا أيضًا شديدة التعقيد والصعوبة، وأهمها ضبط لون وشكل وطبيعة إضاءة الفيلم على مدى سنوات التصوير المتباعدة، والقلق الدائم من خسارة أحد المشاركين في الفيلم لأي سبب كان خاصة أن القوانين لاتسمح بارتباط الممثلين بمشروع طويل الأمد كهذا، ولكن التحدي الأكبر هو تقسيم سيناريو الفيلم إلى أجزاء يمكن تصويرها على مراحل عمرية مختلفة للبطل دون أن يبدو الفيلم وكأنه عدة أفلام قصيرة صورت منفصلة ووصلت ببعضها. والسؤال هنا ما الذي قدمه هذا المقترح للفيلم؟ الحقيقة أنه قدم جوهر الفيلم إن لم يكن كليته، فالفيلم دون تلك الفكرة لا يمكن أن يوجد، إن نمو البطل وحتى محيطه من الشخصيات الأخرى، هو شرط الفيلم الذي فرضه على نفسه ولولاه لما كان ولما استطاع تقديم ما يراه من تحول تفرضه السنين التي يكبر فيها الطفل ليتحول إلى شخص كامل ناضج.



نادرًا ما يحصل ما حصل هذا العام، أن يقدم مخرجان ضمن مظلة السينما الأمريكية مادتين شديدتي الطموح والتعقيد، تتطلبان منا الكثير من التأمل والنقاش، وأن يتم ترشيحهما معًا لجائزة الأوسكار، وإن كانت الأكاديمية قد حسمت تفضيلها لصالح أحدهما فإننا نعتقد أن كلا الفيلمين يستحق التوقف عنده وأن كلا المخرجين يستحق الاحترام على روح المغامرة التي طغت على تجربتيهما.
نهاية لابد من الإشارة أن الفيلمين يندرجان تحت تصنيف الأفلام المستقلة والمشاريع الجنونية التي ما زالت هوليوود باستديوهاتها الضخمة تتجنب الخوض في أمثالها، وتفضل عليها مشاريع الأبطال الخارقين والأفلام التي لا تحاول أن تضيف أكثر مما يجب على عالم السينما الرحب. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق