الاثنين، 13 مايو 2013

رحلة البحث عن أبي خليل القباني

 

عندما سمعت أن شركة ريل فيلمز ستنتج عملاً عن أبي خليل القباني، تمنيت أن يكون هذا العمل من نصيبي، وأن أقوم بإخراجه، وكنت أعلم تماماً أن شعوري هذا لاينبع من رغبة في إنجاز عمل تاريخي ضخم، وإن كان ذلك جانباً مغرياً جداً، وإنما ينبع من رغبة عميقة في أن أكون من يروي بالصورة حكاية أبي خليل ذلك الرجل الذي أجل وأحترم.

عندما تقرر أنني أنا من سيقوم بإخراج العمل كنت في غاية السعادة، وبعد قراءة النص الذي كتبه الروائي الكبير خيري الذهبي، بدأت رحلة بحثي الشخصي عن أبي خليل، والتي تحولت إلى هاجس ربما لم يستطع حتى إنجاز المسلسل إخراجه من حياتي. ومن هنا تأتي هذه السطور لتعيد تسجيل تلك المرحلة من البحث المتأني والدؤوب الذي ساعدني عليه كل المحيطين بي وكثير من الأصدقاء.

بدأت رحلتي في استكشاف عالم إبي خليل السحري، مع كتابين صدرا عن مهرجان الأغنية الأول ، وتناول أحدهما سيرة حياة أبي خليل، وتناول الآخر أعماله الموسيقية. بعدها حصلت على كتابين أحدهما جمع نصوص أبي خليل المسرحية، والآخر جمع النصوص مع ما وصلنا مما كتبته الصحافة المصرية عن تجربة أبي خليل الرائدة.

بعد قراءة هذه الكتب، لم أكتف بما وجدت، ورأيت أن بعض جوانب شخصية أبي خليل لم أستطع تلمسها بعد. وبدأت مرحلة البحث داخل الكتب عن صفحات أو كلمات ذكر فيها أبو خليل القباني، وقد ساعدني حينها الباحث أحمد المفتي بقصص وإجابات عن بعض التساؤلات، وببضع صفحات عن أبي خليل وفرقته من كتاب الأعلام، صورتها في مكتبة قريبة وأعدت الكتاب شاكرة.

هنا كان الفريق الفني للعمل قد بدأ يكتمل، وكانت إحدى أضخم وأصعب التحديات التي واجهناها أنا والموسيقي عصام رافع، هي التأكد من دقة الأغاني والموشحات المنسوبة لأبي خليل، وتخيل أغاني المسرحيات الداخلية التي لم يصلنا منها إلا كلمة لحن مكتوبة قرب النص الشعري.

كانت لدي رغبة بأن أعيد إنتاج مسرح أبي خليل بدقة، ولكي أفعل ذلك كان لابد من العثور على فرقة تعرف رقص السماح الأصيل الذي لم يتشوه ببدع حداثية، وهنا كان لابد من الذهاب إلى حلب.

في دكان صغير في سوق المدينة تعرفت إلى أبي ياسر بابللي، التاجر الذي يهوى رقص السماح ويدير فرقة التراث، التي تحيي حفلات السماح الأصيل. وكم كانت تجربة غنية التعرف على ذلك الجانب الفني في رجال إن صدفتهم في الطريق أو محالهم لما خطر لك أنهم يرقصون ويحبون الطرب ويحفظون كل الموشحات القديمة. ولطالما حسم أبو ياسر جدالات دارت بيننا حول عمر موشح أو أغنية.

DSC04372

في تلك الأثناء، كان عصام رافع يحضر ويؤلف نماذج موسيقية ويلتقي بالباحثين الموسيقيين، ويتناقشون في قضية إشكالية، وهي البعض يقول أن "صيد العصاري" ليست لأبي خليل وإنما نسبت له، وبعد أخذ ورد وتحليل وتفكيك، سمح لنا الباحثون باستخدامها في المسلسل. فيما بدأت أعمال الديكور والبحث عن أماكن التصوير المناسبة لمسلسل يمتد بين عامي 1846 – 1900، يتنقل فيها أبو خليل بين ثمانية مدن. وكانت عمليات البناء للديكورات غير المتوفرة قد بدأت بهمة فريق الديكور الجبار.

انضم إلى فريق العمل، بطل المسلسل، النجم باسل خياط، وقد جلب معه عدة صفحات من كتاب كامل الخلعي الموسيقا العربية، كتب فيها الخلعي وصفاً كان مفيداً جداً عن طباع أبي خليل وحركته، وتقريراً من السفارة الأمريكية عن زيارة أبي خليل لشيكاغو. وقد طلبنا منهم حينها أن يزودونا بصورة البعثة التي ترأسها أبو خليل في معرض شيكاغو عام 1893، فتحفظوا.

كانت آخر المعضلات التي لابد من حلها، هو إيجاد وثيقة تثبت شكل مسرح أبي خليل، وبعد بحث طويل ومتشعب لم نجد إلا وثيقة واحدة، كتبها شخص بريطاني اسمه السير لورانس أوليفانت، وصف فيها خشبة كبيرة يقف عليها الممثلون وراقصو السماح، ومنصة جانبية صغيرة عليها أربع عازفين لآلات العود والقانون والناي والرق، وستارة من المخمل تغطي الخشبة الرئيسية وقد طرزت بكلمات عربية لم يعرف الكاتب معناها. بعد أن وقعت هذه الوثيقة بين يدي أصابني الفضول تجاه هذه الشخصية الغربية التي سجلت الوثيقة الوحيدة –التي وجدتها- عن مسرح أبي خليل القباني، وبعد قليل من البحث، وجدت أن السير لورانس لم يكن إلا مبعوث هرتزل إلى مدحت باشا، فبعد أن فشل هرتزل في إقناع السلطان عبد الحميد ببيعه فلسطين مقابل الثمن الذي يختاره، أرسل هرتزل أوليفانت كي يعرض على مدحت باشا أن يعطيهم فلسطين مقابل أن يساعدوه في الانفصال بالشام عن السلطنة، ويبدو أن مدحت باشا رفض بلباقة بعد أن أخذ ضيفه إلى "المرسح"، ويبدو أن الضيف قد سحره ما شاهد، فكتب عنه هذه الوثيقة.

أما أكثر ما أدهشني وأثار احترامي فيما اكتشفت أثناء بحثي، هو أن أبا خليل كان قد أبتدع نموذجاً يحتذى للفرقة المسرحية، فكان هناك فريق إداري، يتضمن مسؤولاً مالياً، وكان هناك "ريبرتوار" للعروض المسرحية، فكل المسرحيات تعرض على مدار العام وتعاد، والكل يعرفها ويحفظها، كانت الفرقة تشبه كثيراً الفرق المعاصرة من حيث التنظيم والالتزام. وكان مشروع أبي خليل في إعادة إحياء التراث العربي قائماً لا على تمسك بالعادات البالية، بل على رغبة بإعادة النظر في تاريخنا، وبناء حضارتنا اليوم استنادناً إلى ماضينا، وكان تمسكه باللغة العربية الفصيحة، إصراراً منه على مكافحة الرغبة في التخلي عن الفصحى وتبني اللهجات العامية.

لابد من الإشارة أيضاً، إلى أن ادعاء البعض أن أبا خليل لم يكن ناجحاً جماهيرياً، غير صحيحة على الإطلاق، فلولا نجاحه منقطع النظير- والذي تثبته قصص الذين باعوا مصاغ نسائهم أو في إحدى الحالات فراشهم لحضور مسرحه- لما كان أعداؤه من المتشددين أو من المنافسين أحرقوا مسرحيه في كل من دمشق والقاهرة.

بعد أن جمعت مايكفي من المعلومات، قررت أن أذهب إلى مقبرة باب الصغير، لكي أزور قبر أبي خليل، وكان برفقتي الممثل الصديق طلال مارديني، وبعد أن عجزنا عن إيجاد القبر، قام طلال برشوة أحد الحراس، فرحب بنا وسار أمامنا إلى القبر، وأتذكر تماماً أنني قبل أن أصل إلى القبر، بدأ قلبي يخفق بشدة وتجمعت الدموع في عيني، إذ أنني سأكون بعد بضع خطوات أمام القبر المهمل لهذا المبدع العظيم، ولكن حالتي كلها اختلفت عندما علق الحارس الذي يقودنا قائلاً: لقد أخبروني بقدومك. قلت بدهشة: من؟ قال أولئك الذين جاؤوا لتجديد القبر، لقد قالوا أنك ستصورينه. دهشت ولكنني لم أعلق، فتابع الرجل: لن تجدي شيئاً لتريه الآن، فقد نزعوا الشاهدة القديمة والشاهدة الجديدة لم تجهز بعد. لم أعلق، وصلنا إلى القبر، الذي كان أحد الأصدقاء قد حكى لي سابقاً كيف بكى عندما شاهد القبر لأنه كان مهملاً متروكاً، فوجدت أن القبر لا شاهدة له فعلاً، وأن الرخام بدأ يحيط به من كل جانب، خرجت من المقبرة غاضبة، فقد ترك قبر "رائد المسرح العربي" كما تقول الشاهدة الجديدة لمدة مئة وسبع سنوات دون ترميم، ولم يكن الهدف من "ترخيمه" الآن إيفاء أبي خليل حقه، بل الخوف من فضيحة تصوير قبره في المسلسل. خرجنا طلال وأنا، وأكملنا رحلتنا في سوق البزورية، حيث وجدنا دكاناً صغيراً لأحد أحفاد سعيد الغبرة، وقد كنت أجريت لقاء تلفزيونياً عرض قبل يوم واحد عن أنني أخرج مسلسلاً عن أبي خليل، فخشيت إن سألتهم أنا عن جدهم ألا يجيبوا، اقترب منهم طلال، وسألهم عن جدهم بحجة أنه يقوم بإعداد بحث تاريخي عنه، ولكن، لايمكن أن يفوت تجار البزورية أن هذا الشاب ممثل، لذا فقد أخبروه أن لا تعليق لديهم حول جدهم، وأنهم لايرغبون بإعطائنا أي معلومة، ولكن أحدهم قال لطلال أن جدهم كان "ماسكها حنبلية زيادة".

Abu Khalil's Grave Before and After Scout 07  Abu Khalil's Grave Before and After Scout 02Abu Khalil's Grave Before and After Scout 06

جمعتني بعدها المصادفة بمجموعة أشخاص كان لديهم معلومات قيمة سواء عن أبي خليل أو عن عائلته. وأخبرني أحدهم أن إحدى بناته قالت إنه منذ عاد من مصر بعد حرق مسرحه هناك، كان يجلس في باحة بيت كيوان مطلاً على بردى، ويكتب. وأعتقد أن ماكتبه أبو خليل في هذه المرحلة كان مذكراته التي ضاعت أو سرقت، ولكن هذا استنتاج شخصي لا يثبته سوى أن الكثير من المراجع تقول أن أبا خليل قد كتب مذكراته قبل وفاته، ولكن لم تصلنا من هذه المذكرات ولا حتى صفحة واحدة.

حاولت تتبع مصائر أبناء أبي خليل، ولكن يبدو أن التضييق الذي أحاط بوالدهم قد طالهم أيضاً مما دفع الصبيان خليل وعبد الحميد إلى مغادرة سوريا إلى غير رجعة، إذ استقر أحدهما في القاهرة والآخر في تركيا، وجعل البنتين تبقيان عانسين وحيدتين حتى مماتهما، إذ من سيزوج أبناءه لبنات "الفنان".

بدأ تصوير المسلسل، ومع بداية العمل، فجر أحد الممثلين وهو الفنان نزار أبو حجر مفاجأة من العيار الثقيل، إذ أقسم أن الصورة المعلقة في مسرح القباني، وهي الصورة المشهورة والوحيدة لأبي خليل، ليست له، وإنما هي صورة صورت على عجل لضرورات افتتاح المسرح، لم أستطع التأكد من هذه المعلومة، ولكنني حين أنهيت التصوير حكيت هذه القصة للصديق علي سفر، فاهتم جداً، وحاول أن يتأكد، وجل ما استطعنا الحصول عليه فيلم وثائقي عن معرض شيكاغو، تمر فيه لمدة بضع ثوان صورة لفرقة المسرح العربية التي قدمت إلى المعرض، ولم يكن فيها أي رجل يشبه أبا الخليل المعلق في المسرح وفي وجداننا، الصورة كانت تحتوي رجلاً أشقر بعيون فاتحة، نصف مستلق على الأرض، تحيط به فرقته المسرحية، وله لحية شعثاء، ولكنه يرتدي ملابس أبي خليل التي نعرفها نفسها، وللأسف، فإن التنقلات الكثيرة التي منيت بها في العام الماضي، جعلتني أفقد نسخة الفيلم تلك. وهنا أعتقد أنه لابد في يوم من الأيام أن تطلب الخارجية السورية من السفارة الأمريكية أن تسلمنا صور الزيارة التي هي من حق كل السوريين.

abu khlil

نهاية لابد من القول، أن مشروعاً بحجم وثقل مشروع أبي خليل لا يكفيه كل ماقدم عنه حتى اليوم، وأن هذا الرجل الرائع لم يوف حتى الآن حتى جزء من حقه علينا لاكمؤسس للمسرح فحسب، بل كمثال يحتذى في محاولة تحقيق الأحلام مهما بدت مستحيلة، وفي دفع الأثمان مهما عظمت في سبيل تحقيقها.