الخميس، 26 فبراير 2015

"سبات شتوي" فيلم غير معجب ببطله

فيلم نوري جيلان الجديد الحائز على السعفة الذهبية في مهرجان كان هذا العام، والذي لم يتم ترشيحه لجائزة الأوسكار، سبات شتوي (وينتر سليب)، فيلم شديد الخصوصية.
 صحيح أن أفلام جيلان عمومًا هي أفلام خاصة وتمتاز بإيقاع بطيء، ونوع من الأداء التمثيلي شديد الواقعية، ولكن هذا الفيلم اختلف حتى عن أفلام جيلان السابقة بفارق أساسي وهو أن الفيلم يتناول شخصية أساسية ويقدمها لنا لنحبها، ثم يبدأ على مدى الساعات الثلاث من الفيلم بتعريتها أمامنا، كشخصية غير محببة، فوقية، وتعيسة. عدا عن ذلك،  يستخدم الفيلم بطله كوسيلة لانتقاد النخب المثقفة عمومًا، التي تريد أن تبدو منعزلة ومختلفة عن مجتمعها ولكنها في العمق تعجز عن الانسلاخ عنه .




  
يقدم الفيلم مستوى مذهلًا في الصورة، دون أن يبدو وكأنه يبذل جهدًا في سبيل ذلك، وإنما تبدو تلك الصورة الساحرة عضوية جدًا في حكاية هذا الممثل السابق، الذي لم ينجح في التحول إلى النجم الذي كان يطمح بأن يكونه، واعتزل في الأملاك التي ورثها عن والده.
في عدة مشاهد ذات فرضية واحدة، يجلس البطل خلف مكتبه ليكتب مقالته الأسبوعية لجريدة محلية، وتضجع أخته خلفه على كنبة وهي تقرأ، ويتناقشان في أمور شتى. يبدوان لنا عمومًا على وفاق، وتشغلهما الأمور الفلسفية والفكرية العميقة، إلى أن يتصاعد أحد هذه النقاشات يومًا في مشهد من أطول مشاهد الفيلم، ويتحول إلى مصارحة على كل الأصعدة، تجعل الشخصيتين تكشفان لنا جوانب من الآخر كانت خفية كل الفيلم، أوعلى الأقل اكتشفناها ولكننا لم نعلم أن الشخصيات اكتشفتها عن بعضها.


إن من يعري هذه العائلة التي تعيش في ظلال الحياة، وفي عمق الكراهية، هو العائلة الفقيرة التي تستأجر إحدى أملاك العائلة، وتعجز عن دفع الأجرة، ابن هذه العائلة هو من يضعنا لأول مرة في مواجهة بطلنا الساخر، لنكتشف أن سخريته هذه إنما تضمر ضمنها فشلًا وضعفًا، وفوقية لا مبرر لها.
يسير الفيلم بإيقاع متهاد، ليعرفنا شيئًا فشيئًا إلى مجتمع يرغب بفحصه بعدسة مكبرة، ويكشف لنا كل تفاصيله من خلال الأحاديث اليومية والملل الريفي والتفاصيل الصغيرة. ويبحث في علاقة الحب التي تجمع البطل بزوجته، الحب، من وجهة نظره، التي ترى كل الأشياء بمنظور غريب وتملكي.




لا يمكن أن يوصل الفيلم رسالته دون أن يشعر مشاهده بثقل الحياة التي يعيشها الأبطال، بالألم الذي يكابدونه لمحاربة تناقضاتهم، وبالجمود الذي يكبلهم. لا شك أن أفلام نوري جيلان هي أفلام تتطلب مشاهدين من نوع خاص، وتحتاج جمهورًا لديه صبر على الاكتشاف والكشف، ولكن العوالم المدهشة في سبر أعماق النفس البشرية في أفلامه تجعل هذا الإيقاع الخاص ضرورة وصيرورة لا بد منها، عدا عن أنها تترافق مع متعة بصرية لا مثيل لها إلا في نوادر وتحف السينما العالمية.

الثلاثاء، 24 فبراير 2015

أوسكار أفضل مخرج

بعد أن انتهى حفل توزيع جوائز الأوسكار، حسمت الأكاديمية رأيها في من هو أفضل مخرج لهذا العام، وحصد الجائزة أليخاندرو غونزاليس أنياريتو.
لكن ما حدث هذا العام، وهو أمر نادر الحدوث عادة، أن هناك مخرجين من المرشحين للحصول على جائزة الأوسكار قد قدما مقترحًا جديدًا في فيلميهما، الأول هو الحاصل على الجائزة، والآخر هو مخرج فيلم "بويهوود" ريتشارد لينكلاتر، وأعتقد أن المقترحين يستحقان مزيدًا من النقاش وإن كانت الأكاديمية قد حسمت رأيها لصالح أحدهما.



يقوم المقترح الذي بنى عليه أنياريتو رؤيته لفيلم "بيرد مان" على فرضية تقنية، وهي إنجاز الفيلم بلقطة واحدة، طبعًا مع الاعتماد على بعض المؤثرات لوصل بعض اللقطات ببعضها أي أن الفيلم يبدو وكأنه صور بلقطة واحدة ولكنه عمليًا مقسممم إلى أجزاء تم وصلها ببعضها لتبدو وكأنها لقطة واحدة، وهو بالطبع أمر شديد الصعوبة، يتطلب موهبة فذة في الإضاءة والتصوير، ويتطلب أيضًا جهدًا جبارًا من الممثلين الذين يؤدون المشاهد كاملة دون تقطيع، وإن ارتكاب أي شخص من المشاركين في المشهد لخطأ ما يؤدي إلى إعادته منذ البداية، وهو مقترح طموح للغاية، ولكن علينا أن نتذكر أن أول من قدم فيلمًا روائيًا طويلًا بلقطة واحدة، وإن كان مؤلفًا من 11 لقطة وصلت ببعضها هو هيتشكوك في فيلم الحبل، ولم يستطع هيتشكوك في حينها تنفيذ الفيلم عمليًا في لقطة واحدة لأن بكرة السينما حينها لم تكن لتتسع لفيلم كامل. ما يستحق النقاش هنا، هو هل كان هذا الخيار الإخراجي أفضل صورة يمكن أن يخرج بها النص؟ وهل طغى الخيار التقني على لحظات كان يمكن أن تخدم الحكاية بشكل أفضل لو أن الفيلم لم يعتمد هذه التقنية؟ الحقيقة أن بعض المشاهد بدا فيها هذا الخيار مفتعلًا وربما لو أن بعض المشاهد في الفيلم قطعت بالشكل التقليدي لأوصلت رسالتها بشكل أعمق وأوضح، ولكن كل هذا لا ينفي الإبهار المترافق مع هذه البنية الإخراجية، والدهشة التي تسببها هذه اللقطة الطويلة المستمرة من بداية الفيلم حتى نهايته تقريبًا.



أما مقترح لينكلاتر فيقوم على إنجاز تقني من نوع مختلف، وهو أن إنجاز فيلم عن المراهقة يتطلب تحول بطل الفيلم من الطفولة إلى الشباب أثناء تصوير الفيلم، لذا قام المخرج بتصوير فيلمه على مدى 12 سنة، كبر فيها بطل الفيلم أمام أعيننا وتغير شكله عدة مرات إلى أن أصبح شاباً، إن التحديات التي تواجه فيلمًا طموحًا كهذا أيضًا شديدة التعقيد والصعوبة، وأهمها ضبط لون وشكل وطبيعة إضاءة الفيلم على مدى سنوات التصوير المتباعدة، والقلق الدائم من خسارة أحد المشاركين في الفيلم لأي سبب كان خاصة أن القوانين لاتسمح بارتباط الممثلين بمشروع طويل الأمد كهذا، ولكن التحدي الأكبر هو تقسيم سيناريو الفيلم إلى أجزاء يمكن تصويرها على مراحل عمرية مختلفة للبطل دون أن يبدو الفيلم وكأنه عدة أفلام قصيرة صورت منفصلة ووصلت ببعضها. والسؤال هنا ما الذي قدمه هذا المقترح للفيلم؟ الحقيقة أنه قدم جوهر الفيلم إن لم يكن كليته، فالفيلم دون تلك الفكرة لا يمكن أن يوجد، إن نمو البطل وحتى محيطه من الشخصيات الأخرى، هو شرط الفيلم الذي فرضه على نفسه ولولاه لما كان ولما استطاع تقديم ما يراه من تحول تفرضه السنين التي يكبر فيها الطفل ليتحول إلى شخص كامل ناضج.



نادرًا ما يحصل ما حصل هذا العام، أن يقدم مخرجان ضمن مظلة السينما الأمريكية مادتين شديدتي الطموح والتعقيد، تتطلبان منا الكثير من التأمل والنقاش، وأن يتم ترشيحهما معًا لجائزة الأوسكار، وإن كانت الأكاديمية قد حسمت تفضيلها لصالح أحدهما فإننا نعتقد أن كلا الفيلمين يستحق التوقف عنده وأن كلا المخرجين يستحق الاحترام على روح المغامرة التي طغت على تجربتيهما.
نهاية لابد من الإشارة أن الفيلمين يندرجان تحت تصنيف الأفلام المستقلة والمشاريع الجنونية التي ما زالت هوليوود باستديوهاتها الضخمة تتجنب الخوض في أمثالها، وتفضل عليها مشاريع الأبطال الخارقين والأفلام التي لا تحاول أن تضيف أكثر مما يجب على عالم السينما الرحب.