الجمعة، 29 مايو 2015

تعقيب على "تحديق في وجه الفظيع"

كتب ياسين الحاج صالح في موقع الجمهورية مقالًا بعنوان "تحديق في وجه الفظيع". http://aljumhuriya.net/33487 قال في مقدمته:
بين المهتمين بالصورة في سورية سجال متموج، يشبُّ حيناً ويخبو حيناً، حول عرض صور الأجساد المحطمة أو المحروقة، والأشلاء وفديوهات التعذيب ومشاهد القتل، أو عموماً حول صور السوريين في انكشافهم الكبير على أنفسهم وعلى العالم طوال 50 شهراً ونيف. قبل شهور نشر «أبو نضارة»، وهو تجمع سينمائيين سوريين ينتج فيلماً قصيراً واحداً كل أسبوع، بياناً أدان فيه «تمريغ كرامة» الناس «من خلال عرض صور أجسادهم المعذبة على شاشات العالم دون موافقتهم، الأمر الذي يسيء لكرامة السوريين والإنسانية جمعاء»، وبنى على ذلك مبدأ «حق الإنسان في صورة كريمة أياً كانت الظروف». وأطلق التجمع أيضاً مبادرة عنوانها: صورة السوري ما بتنذل! والعنوان مبني، مثلما هو معلوم، على غرار شعار رفع في تجمع احتجاجي باكر في دمشق قبيل الثورة، وهتف فيه المتجمعون: الشعب السوري ما بينذل!
ذكرني هذا المقال والجدل الذي طرحه، بلقاء شاهدته مرة مع المخرج الأمريكي "أوليفر ستون" حول فيلمه "قتلة بالفطرة"، حيث كان المذيع يتهم الفيلم بأنه شديد العنف بل يروج للعنف والكراهية. واستوقفني وقتها طويلًا رد أوليفر ستون، وصرت أذكره كلما شاهدت فيلم أكشن أمريكي، إذ قال فكرة مفادها أنه يعتبر أن من يروج للعنف هو من يجعل الموت على الشاشات يبدو سهلًا، فبطلقة واحدة ودون ألم يتساقط العشرات في كل فيلم حركة نشاهده اليوم على الشاشات، فيما أراد ستون في فيلم قتلة بالفطرة أن يوضح بشاعة العنف من خلال الخوض في تفاصيله، فاستسهال الأفلام للرصاصة التي تقتل تؤدي إلى استسهال المجتمع للعنف.
وهذه الفكرة تقودنا إلى أسئلة كثيرة، وهي كيف نستخدم صور الثورة السورية المستمرة في العمل الفني؟ هل ننسخها كما هي؟ أم نقدم معالجة لها؟ أم نصفع العالم بها (وهو ما فعله فيلم ماء الفضة على سبيل المثال)؟ أم نهضمها ونعيد إنتاجها؟ ماذا نفعل بكم هائل من الصور انسكب علينا ليعيد تعريف كل شيء في أعيننا؟ فما هي الإنسانية والكرامة وحقوق الإنسان في ظل أن العالم يعلم ما يجري في المعتقلات ولا يفعل شيئًا لإيقاف هذه المجزرة العلنية اليومية؟
أعتقد أن أولى مسؤولياتنا اليوم كعاملين في المجال الفني هي تجميع أكبر قدر ممكن من القصص والصور، كي لا يطويها النسيان، وألا ننسى أن الصور في الفن ليست لاستخدامها اللحظي فقط، بل هي لنعيد إنتاجها لاحقًا بعد أن نرى الزاوية التي نريد أن نتناولها منها.
هنا أرغب أن أورد مثالًا شخصيًا: لم أستطع يوميًا، أن أستمع إلى قصص التعذيب في سجن تدمر الرهيب، وتجنبت لسنوات طوال أن أتواجد في جلسة من هذا القبيل، رغم أنها كانت تحدث بتواتر غير قليل في محيطي، كما أحجمت بعد الثورة عن سماع تفاصيل التعذيب من أصدقائي الذين تعرضوا له، ولكن بحثت دومًا، لإحساسي بعجزي وضعفي عن سماع تلك القصص عن جانب آخر من الحكاية، والميزة هي أنني حصلت على كم من الصور لا يمكن أن أنساه في حياتي، أحدها أن معتقلًا "بالخطأ" ظل في سجن تدمر 14 عامًا، وبعدها نقل إلى سجن صيدنايا، وعند وصوله إلى "السجن المرفه" قدم له أحدهم كأس شاي، فرأى وجهه للمرة الأولى بعد 14 عامًا فلم يتعرف إلى نفسه، ومنها أن صديقي علم رفيقه الأمي في الزنزانة القراءة والكتابة من خلال استخدام قطعة صابون على بطانية، وأن صديقًا لم يعد يستطيع سماع صوت اللكم حتى في الأفلام بعد خروجه. كل هذه الزوايا التي تخرج عن الجثة الممزقة، ولا تخرج في آن، هي حق للضحية، حق للضيحة في تسجيل ما واجهته من ظلم وحيف وجور، وواجب الفنان هو البحث عن هذه القصص واختزانها وإعادة إنتاجها.
أما ما كان إشكاليًا من الصور كالصور المسربة ل11 ألف معتقل، أو صور الأشلاء تحت الأنقاض، أو الفيديوهات المسربة للتعذيب، والأكثر إشكالية على الإطلاق، صور الأطفال ضحايا المجازر الذين بالوا في ثيابهم من الرعب، فأجد أن استخدامها المباشر قد يكون صعبًا لأنها تفوق استطاعة البشر على الاحتمال، ولكن ذلك يحمل الفنان مسؤولية إضافية، بضرورة مشاهدة هذه الصور -رغم قسوة المهمة التي تشبه ابتلاع سكين- وحفظها جيدًا كي لا يضيع حق الضحية في تسجيل ما شهدته، وربما يمكن إيجاد صيغ فنية في المستقبل لإعادة إنتاج هذه الصور في سياق يمكن عرضه من خلالها على الشاشات، ولكن التكتم على مثل هذه الصور من باب احترام الضحايا سيجعلهم يضيعون بين آلاف الجثث، ويفقدهم إنسانيتهم التي لم يبق لهم منها إلا حقهم بالاعتراف بما ارتكب بحقهم.
لابد من الإشارة هنا، أن الجرائم الداعشية المصورة بتقنيات هوليوودية، تحمل في طياتها جانبًا من الجدل الذي نخوضه، فالذعر العالمي من داعش سببه بالدرجة الأولى هذه الأفلام التي لا يوجد في أحدها جريمة لم ترتكب من قبل النظام، لكن الفارق الوحيد بين الجريمتين هو الوثيقة العلنية. وهذا ما يجب لنا التفكر فيه حين نطالب بإخفاء صور من باب احترام الضحايا.
ورغم أن العالم الغربي لم يتفاعل مع الثورة السورية بالقدر الذي ارتجاه السوريون إلا أننا يجب أن لا ننسى أن فيديوهات اليوتيوب التي سجلها أبطال شجعان هي ما حركت مظاهرات داعمة للثورة في سنتها الأولى في كل أنحاء العالم.
لا صوت للضحية إلا في التوثيق، ولا كرامة ولاحق للإنسان السوري بعد كل ما ارتكب بحقه إلا صورته المتبقية. فهل من حقنا أن نسلبه هذا التعبير الأخير؟


لينك مقال "تحديق في وجه الفظيع": http://aljumhuriya.net/33487

الخميس، 26 فبراير 2015

"سبات شتوي" فيلم غير معجب ببطله

فيلم نوري جيلان الجديد الحائز على السعفة الذهبية في مهرجان كان هذا العام، والذي لم يتم ترشيحه لجائزة الأوسكار، سبات شتوي (وينتر سليب)، فيلم شديد الخصوصية.
 صحيح أن أفلام جيلان عمومًا هي أفلام خاصة وتمتاز بإيقاع بطيء، ونوع من الأداء التمثيلي شديد الواقعية، ولكن هذا الفيلم اختلف حتى عن أفلام جيلان السابقة بفارق أساسي وهو أن الفيلم يتناول شخصية أساسية ويقدمها لنا لنحبها، ثم يبدأ على مدى الساعات الثلاث من الفيلم بتعريتها أمامنا، كشخصية غير محببة، فوقية، وتعيسة. عدا عن ذلك،  يستخدم الفيلم بطله كوسيلة لانتقاد النخب المثقفة عمومًا، التي تريد أن تبدو منعزلة ومختلفة عن مجتمعها ولكنها في العمق تعجز عن الانسلاخ عنه .




  
يقدم الفيلم مستوى مذهلًا في الصورة، دون أن يبدو وكأنه يبذل جهدًا في سبيل ذلك، وإنما تبدو تلك الصورة الساحرة عضوية جدًا في حكاية هذا الممثل السابق، الذي لم ينجح في التحول إلى النجم الذي كان يطمح بأن يكونه، واعتزل في الأملاك التي ورثها عن والده.
في عدة مشاهد ذات فرضية واحدة، يجلس البطل خلف مكتبه ليكتب مقالته الأسبوعية لجريدة محلية، وتضجع أخته خلفه على كنبة وهي تقرأ، ويتناقشان في أمور شتى. يبدوان لنا عمومًا على وفاق، وتشغلهما الأمور الفلسفية والفكرية العميقة، إلى أن يتصاعد أحد هذه النقاشات يومًا في مشهد من أطول مشاهد الفيلم، ويتحول إلى مصارحة على كل الأصعدة، تجعل الشخصيتين تكشفان لنا جوانب من الآخر كانت خفية كل الفيلم، أوعلى الأقل اكتشفناها ولكننا لم نعلم أن الشخصيات اكتشفتها عن بعضها.


إن من يعري هذه العائلة التي تعيش في ظلال الحياة، وفي عمق الكراهية، هو العائلة الفقيرة التي تستأجر إحدى أملاك العائلة، وتعجز عن دفع الأجرة، ابن هذه العائلة هو من يضعنا لأول مرة في مواجهة بطلنا الساخر، لنكتشف أن سخريته هذه إنما تضمر ضمنها فشلًا وضعفًا، وفوقية لا مبرر لها.
يسير الفيلم بإيقاع متهاد، ليعرفنا شيئًا فشيئًا إلى مجتمع يرغب بفحصه بعدسة مكبرة، ويكشف لنا كل تفاصيله من خلال الأحاديث اليومية والملل الريفي والتفاصيل الصغيرة. ويبحث في علاقة الحب التي تجمع البطل بزوجته، الحب، من وجهة نظره، التي ترى كل الأشياء بمنظور غريب وتملكي.




لا يمكن أن يوصل الفيلم رسالته دون أن يشعر مشاهده بثقل الحياة التي يعيشها الأبطال، بالألم الذي يكابدونه لمحاربة تناقضاتهم، وبالجمود الذي يكبلهم. لا شك أن أفلام نوري جيلان هي أفلام تتطلب مشاهدين من نوع خاص، وتحتاج جمهورًا لديه صبر على الاكتشاف والكشف، ولكن العوالم المدهشة في سبر أعماق النفس البشرية في أفلامه تجعل هذا الإيقاع الخاص ضرورة وصيرورة لا بد منها، عدا عن أنها تترافق مع متعة بصرية لا مثيل لها إلا في نوادر وتحف السينما العالمية.

الثلاثاء، 24 فبراير 2015

أوسكار أفضل مخرج

بعد أن انتهى حفل توزيع جوائز الأوسكار، حسمت الأكاديمية رأيها في من هو أفضل مخرج لهذا العام، وحصد الجائزة أليخاندرو غونزاليس أنياريتو.
لكن ما حدث هذا العام، وهو أمر نادر الحدوث عادة، أن هناك مخرجين من المرشحين للحصول على جائزة الأوسكار قد قدما مقترحًا جديدًا في فيلميهما، الأول هو الحاصل على الجائزة، والآخر هو مخرج فيلم "بويهوود" ريتشارد لينكلاتر، وأعتقد أن المقترحين يستحقان مزيدًا من النقاش وإن كانت الأكاديمية قد حسمت رأيها لصالح أحدهما.



يقوم المقترح الذي بنى عليه أنياريتو رؤيته لفيلم "بيرد مان" على فرضية تقنية، وهي إنجاز الفيلم بلقطة واحدة، طبعًا مع الاعتماد على بعض المؤثرات لوصل بعض اللقطات ببعضها أي أن الفيلم يبدو وكأنه صور بلقطة واحدة ولكنه عمليًا مقسممم إلى أجزاء تم وصلها ببعضها لتبدو وكأنها لقطة واحدة، وهو بالطبع أمر شديد الصعوبة، يتطلب موهبة فذة في الإضاءة والتصوير، ويتطلب أيضًا جهدًا جبارًا من الممثلين الذين يؤدون المشاهد كاملة دون تقطيع، وإن ارتكاب أي شخص من المشاركين في المشهد لخطأ ما يؤدي إلى إعادته منذ البداية، وهو مقترح طموح للغاية، ولكن علينا أن نتذكر أن أول من قدم فيلمًا روائيًا طويلًا بلقطة واحدة، وإن كان مؤلفًا من 11 لقطة وصلت ببعضها هو هيتشكوك في فيلم الحبل، ولم يستطع هيتشكوك في حينها تنفيذ الفيلم عمليًا في لقطة واحدة لأن بكرة السينما حينها لم تكن لتتسع لفيلم كامل. ما يستحق النقاش هنا، هو هل كان هذا الخيار الإخراجي أفضل صورة يمكن أن يخرج بها النص؟ وهل طغى الخيار التقني على لحظات كان يمكن أن تخدم الحكاية بشكل أفضل لو أن الفيلم لم يعتمد هذه التقنية؟ الحقيقة أن بعض المشاهد بدا فيها هذا الخيار مفتعلًا وربما لو أن بعض المشاهد في الفيلم قطعت بالشكل التقليدي لأوصلت رسالتها بشكل أعمق وأوضح، ولكن كل هذا لا ينفي الإبهار المترافق مع هذه البنية الإخراجية، والدهشة التي تسببها هذه اللقطة الطويلة المستمرة من بداية الفيلم حتى نهايته تقريبًا.



أما مقترح لينكلاتر فيقوم على إنجاز تقني من نوع مختلف، وهو أن إنجاز فيلم عن المراهقة يتطلب تحول بطل الفيلم من الطفولة إلى الشباب أثناء تصوير الفيلم، لذا قام المخرج بتصوير فيلمه على مدى 12 سنة، كبر فيها بطل الفيلم أمام أعيننا وتغير شكله عدة مرات إلى أن أصبح شاباً، إن التحديات التي تواجه فيلمًا طموحًا كهذا أيضًا شديدة التعقيد والصعوبة، وأهمها ضبط لون وشكل وطبيعة إضاءة الفيلم على مدى سنوات التصوير المتباعدة، والقلق الدائم من خسارة أحد المشاركين في الفيلم لأي سبب كان خاصة أن القوانين لاتسمح بارتباط الممثلين بمشروع طويل الأمد كهذا، ولكن التحدي الأكبر هو تقسيم سيناريو الفيلم إلى أجزاء يمكن تصويرها على مراحل عمرية مختلفة للبطل دون أن يبدو الفيلم وكأنه عدة أفلام قصيرة صورت منفصلة ووصلت ببعضها. والسؤال هنا ما الذي قدمه هذا المقترح للفيلم؟ الحقيقة أنه قدم جوهر الفيلم إن لم يكن كليته، فالفيلم دون تلك الفكرة لا يمكن أن يوجد، إن نمو البطل وحتى محيطه من الشخصيات الأخرى، هو شرط الفيلم الذي فرضه على نفسه ولولاه لما كان ولما استطاع تقديم ما يراه من تحول تفرضه السنين التي يكبر فيها الطفل ليتحول إلى شخص كامل ناضج.



نادرًا ما يحصل ما حصل هذا العام، أن يقدم مخرجان ضمن مظلة السينما الأمريكية مادتين شديدتي الطموح والتعقيد، تتطلبان منا الكثير من التأمل والنقاش، وأن يتم ترشيحهما معًا لجائزة الأوسكار، وإن كانت الأكاديمية قد حسمت تفضيلها لصالح أحدهما فإننا نعتقد أن كلا الفيلمين يستحق التوقف عنده وأن كلا المخرجين يستحق الاحترام على روح المغامرة التي طغت على تجربتيهما.
نهاية لابد من الإشارة أن الفيلمين يندرجان تحت تصنيف الأفلام المستقلة والمشاريع الجنونية التي ما زالت هوليوود باستديوهاتها الضخمة تتجنب الخوض في أمثالها، وتفضل عليها مشاريع الأبطال الخارقين والأفلام التي لا تحاول أن تضيف أكثر مما يجب على عالم السينما الرحب. 

الخميس، 29 يناير 2015

العودة إلى حمص: الشجاعة التراجيدية

يقدم طلال ديركي في فيلمه العودة إلى حمص شهادته على تحولات الثورة السورية في عاصمتها حمص من خلال بطله عبد الباسط الساروت وشخصة أخرى أقل حضورًا ولكنها ذات تأثير كبير وهي شخصية أسامة.



عبد الباسط الساروت الذي يبدو في الفيلم بطلًا تراجيديًا حقيقيًا، يواجه الخيارات الصعبة لأنه لم يعد قادرًا على التراجع، يشعر رغم صغر سنه أنه مسؤول عن مدينة بأكملها، يحمل السلاح وهو الذي لم يكن مؤمنًا به كخيار، يتحول إلى قائد رغمًا عنه، يقاتل، يسعف، يدفن أصدقاءه، ويبني سورًا حول نفسه يمنعه من الانهيار والبكاء كطفل، ويتحول أيقونة وبطل فيما هو حقًا متعب، مرهق. تناقضات نجح الفيلم في نقلها وتصويرها، كما نجح أن ينقل من خلال الخط البياني لشخصية الساروت، كم الخيبات والخسارات التي مني بها شباب الثورة، فهو الذي كان في بداية الفيلم مرحًا، لا تفارق الابتسامة وجهه، يتحول في نهايته إلى شاب متجهم، ينعي رفاقه وينقل أخبار استشهادهم إلى من خرجوا. ولكنه لا يتزحزح لحظة طوال الفيلم عن إيمانه بأنه على حق، وبأن مطلب شعبه الذي انحاز إليه بالحرية والكرامة هو ما يجب أن يكون، ويقوده إيمانه هذا وشجاعته النادرة إلى التمسك بخياراته حتى وإن أجبر عليها.

أما أسامة فهو ذاك الشاب الرقيق، الذي لم يحمل سوى كاميرته، لم يرغب بالانخراط في العنف، وبكى كل الشهداء.
 يصور لنا الفيلم أسامة وهو يحضر جنازات متعددة، ويداري دموعه عن الكاميرا. أسامة المعتقل، الذي انقطعت أخباره، بعد أن أصيب بشظية هاون، يصور طوال الفيلم مدينته التي دمرت، وتفاصيل حياة أصدقائه وتحولاتهم.

ينجح طلال ديركي رغم كمية المواد المصورة لديه على مدى سنوات ثلاث، في أن يحبك فيلمًا متماسكًا، يروي حكايته ببساطة وسلاسة.  يختصر الفيلم في دقائقه الأولى المرحلة الأولى من الثورة السورية، المرحلة السلمية، وتحول عبد الباسط  من حارس كرة قدم إلى نجم المظاهرات بفضل الأهازيج التي يغنيها. ومن ثم ينقل لنا انتقال هذا الشاب الشجاع من الخيار السلمي إلى المسلح، بسرد بصري يترافق مع تهدم "موقع تصوير" الفيلم تباعًا، ألا وهو مدينة حمص.



فكرت طويلًا وأنا أشاهد الفيلم، ترى ماذا كنت سأشعر لو كنت ابنة هذه المدينة؟
في لقطة طويلة يسير خلالها المخرج وهو يصور خلف أحد الشباب، من خلال البيوت التي فتحت بينها فتحات لحماية المقاتلين من القناص،  كنت أفكر، كيف سيشعر أحدهم إن كان أحد هذه البيوت بيته؟ هل سيسعد لأنه شاهد لمحة من بيته؟ أم سيغضب لأنهم حفروا جداره؟ أم سيفرح لأن الثوار احتموا به؟ أم سيخاف من عقاب النظام لأن الثوار مروا من داخل بيته؟
في مشهد آخر، يقوم سائق بإيصال المخرج وأسامة من مكان إلى آخر، دون أن يشعل ضوء السيارة خوفًا من القناص، فكرت، ترى، هل يسترجع كل مر بهذه التجربة نفس خفقان القلب كلما شاهد هذه اللحظة؟ هل تتراءى له أشباح القناصين وأصوات الرصاصات المرعبة التي لايعرف أين ستستقر؟ هل يتذكر أن هذا الشارع كان يقطعه بكل بساطة دون أن يكون حدًا بين منطقة وأخرى؟
كيف يشعر ابن المدينة وهو يرى تلك الشوارع التي عرفها حيًا حيًا، وترك في حواريها ذكرياته، حبه الأول ربما، قبلة مسروقة، حكايات جدته،  رائحة مطبخ أمه، زعرنات شباب حارته، روحه، كيف يشعر وهو يراها تنطوي فوق نفسها متحولة إلى ركام؟
تغيب المدينة وتحضر في الفيلم، فهو لا يعلق على انهيار أبنيتها إلا لمامًا، عندما يتعلق الموضوع ببطليه اللذين يقصف منزل كل منهما، ولكنها تحضر بقوة في كل لقطاته.



يظهر المخرج في بداية الفيلم ونهايته، ويروي لنا الحكاية بصوته، يحكي لنا كم أحب أبطاله وكم تورط في قصتهم، كم تألم لخذلانهم، وكم آمن بشجاعتهم، وكم خشي عليهم من مصير رفاقهم الذين سبقوهم. ويحكي لنا كيف ودعه الساروت عائدًا إلى حمص، إلى مصير مجهول، وابتلعه الظلام.

تمر في الفيلم لحظات، تشعر المشاهد بوطأة الظلم الذي وقع على هؤلاء، وتشحنه بالعواطف وبالخيبات إلى درجة أنه ما إن ينتهي الفيلم حتى يكون قد مر بتجربة إنسانية قاسية ومرة، ويكاد يشعر بصغره أمام بطولات هؤلاء الشجعان.


أما من يعمل في المجال الفني، فلا بد أن يحسد المخرج ومصوري الفيلم على شجاعتهم النادرة هم أيضًا، وعلى التجربة الإنسانية والفنية الرفيعة التي خاضوها من أجل تحقيق فيلم، سيبقى دومًا كوثيقة سجلت أهم اللحظات والتحولات التي مرت بها الثورة السورية.

ثلاثة أفلام قصيرة من الثورة السورية



إن كنت تبحث عن الأفلام القصيرة التي أنجزتها الثورة السورية فالعدد الذي ستصادفه سيصيبك بالدهشة، هذا أمر مؤكد. ولكن، قليلة هي الأفلام التي تركت أثراً في مشاهدها. معظم تلك الأفلام مرّ مرور الكرام، وبعضها ترافق وانتشر مع مناسبات محدّدة واندثر بعد ذلك، كالأفلام التي تدعو إلى حملات جمع التبرّعات أو أيام التضامن مع الشعب السوري. لا يمكن لأحد أن يدّعي أنه شاهد كل ما أنتج من أفلام قصيرة، ولكن هناك نماذج تبقى رائدة في مجالها رغم مرور زمن عليها. استطاعت أن توصل رسالتها بشكل ناجح ومتماسك. أودّ هنا التوقف عند ثلاثة أفلام شكّل كلّ منها نوعاً خاصاً من السينما القصيرة التي انبثقت من عمق الثورة.

الفيلم الأول، هو فيلم "طجّ". روائي قصير لخالد عبد الواحد. الفيلم كان من أوائل الأفلام الروائية التي أنجزت بعد بدء الثورة وعنها، ويمتاز الفيلم بالكثافة المدهشة التي ترافق عادة الفيلم القصير كما أنه يروي قصته بكل وضوح، ليصل إلى كل الشرائح بسهولة وبساطة بعيداً عن التعالي، ليؤثر فيهم.  

يبدأ الفيلم بكادر ثابت لباب منزل، فوقه تتدلّى لمبة، وقربه حائط طويل تضرب عليه كرة بشكل متواتر. يشعرك الفيلم من اللحظة الأولى أن "الطفل" -وهو اللاعب المفترض هنا- الذي يضرب الكرة قد حُرم من الخروج إلى الطريق وها هو يلعب الآن في المنزل. وعندما يقصف البيت ويهتزّ الكادر وتنقطع الكهرباء، تنحبس أنفاس المشاهد للحظة خوفاً على مصير "الطفل" الذي يلعب بالكرة. لكن الفيلم، الذي لم يرغب أن يكون متشائماً، يعيد الكرة إلى الكادر، بعد عودة النور إلى اللمبة، فيتخفّف المشاهد من قلقه.

  يمتاز الفيلم حقاً بتلك البساطة والسهولة التي تجعله قريباً من أي مشاهد. لا يحتمل الكثير من التأويل والتفسير، وإنما يشاهَد كما هو. ولذا جاء اسمه ليكمل بساطته: "طجّ".

أما الفيلم الثاني فهو فيلم "هاون" وهو من إعداد وتصوير عبد الله حكواتي وإنتاج "مؤسسة الشارع للإعلام والتنمية"، وهو نموذج عما يمكن أن نسميه فيلم اللحظة، فيلم أنتجه ظرفه ولم يكن نتاج ما فكّر معدّوه بتقديمه.

 يبدأ الفيلم بلقطات عامة توضح استعداد المتظاهرين في بستان القصر في حلب لمظاهرة، إذ تفرش الأعلام، ويجهز نظام الصوت، وينتحي المخرج بفتاة تغني عادة في المظاهرات، فتغنّي له الفتاة أغنية من الثورة، وفي تلك اللحظة بالذات، تسقط قذيفة هاون يطلقها جيش النظام قرب موقع التصوير، ويحظى المصوّر بتلك المصادفة على شريطه السينمائي. فتشكّل بعد ذلك، جسم وجوهر الفيلم. 

ما يطبع هذا الفيلم بصفته الأساسية، هو التقاط لحظة لا يمكن أن تكون بحسبان المصوّر أو أن يخطّط لها مسبقاً ومن ثم بناء الفيلم حولها. وبالتالي فإن الفيلم بنتيجته النهائية ليس هو الفيلم الذي خرج من أجله صاحب المشروع إلى الشارع وصوّر. هو فيلم آخر فرضته اللحظة والظرف الآني على صاحب الفيلم وهي قد تكون ميزة في بعض الحالات وقد تكون نقيصة بحسب توظيف اللحظة الملتقطة في الفيلم.



ثالث هذه النماذج، فيلم بعنوان "قصة سورية قصيرة" لمحمد عمران وداني أبو لوح. وهو فيلم من تلك الأفلام التي استخدمت تقنية بعيدة كل البعد عن المباشرة وبحثت عن طريقة أخرى للتعبير عن الوجع السوري.

يبدأ الفيلم بلوحة من الكرتون مرسومة عليها شخصيات تبدأ بالبروز والوقوف تعبيراً ثورتها. تبدأ برفع الصوت والمطالبة بحقوقها. يقوم "بسطار عسكري" بسحقها والتنكيل بها، لكنها تعود للوقوف رغم ما أصابها من ضرر. 

فيلم في غاية البساطة والذكاء والعمق، ولكن غالباً ما يقع صانعو هذه الأفلام في مطبّ الخوف من ألا يفهم مقصدهم بالضبط. فيقومون بإضافة جزء تفسيري لفيلمهم، وهو في حالة الفيلم المذكور لقطات من مظاهرات درعا الأولى ولقطة لقوات الأمن وهي تطلق النار على الناس. ومشكلة هذا الجزء أن صانعي الفيلم بعد أن أوجدا أكثر الطرق حيوية وابتكاراً وتأثيراً لنقل الحكاية السورية، عادا إلى التقليدي وصفعا المشاهد به مما يخيّب أمل المشاهد لأنه سيشعر حكماً أن هذه اللقطات أضيفت لكي تساعده على الفهم. 

 الأفلام الثلاثة تلك وبنظرة سريعة، يقدّم كلّ منها نموذجاً عن سينما الفيلم القصير، التي ما زالت تتشعّب وتتكاثر أفلامها وأنواعها. وقدّم في هذا الإطار عدد هائل من الأفلام، ولكن الوقفة عند هذه النماذج الثلاث كانت لخصوصيتها، ولخروجها عمّا ألفنا من السينما القصيرة خلال السنوات الثلاث الماضية. الأفلام القصيرة دارت في دوامة من التكرار وتم الخلط في كثير من الأحيان بين التقرير والخبر الصحافي وبين الفيلم القصير، ورغم ذلك لم تخلُ سينمانا الجديدة من نماذج استطاعت أن تنقل بحرفية حكاية السوريين ومسيرتهم المؤلمة نحو الحرية. 

نشر في جريدة المدن: الأحد 6-4-2014

ثلاثة أعوام من الثورة في السينما

بدأت الثورة السورية قبل أعوام ثلاثة، ثورة سياسية تزامنت بشكل كامل مع ثورة في الصورة. تلك الصورة، كانت وسيلة الثوار الوحيدة لإسماع صوتهم للعالم. هي ما يلتقطونه عبر هواتفهم النقالة وينشرونه على صفحات التواصل الاجتماعي على الإنترنت. هذه الصور، التي يوجد منها اليوم مئات الآلاف وهذه الأفلام التي يوجد منها الملايين ربما، أودت بحياة الكثير من مصوّريها وبناشريها إلى المعتقلات إذ اعتبر النظام "جريمتهم" أشد الجرائم وأخطرها. 

وما كان لهذه الثورة السينمائية أن تكون متاحة لولا التطور التقني الهائل الذي سمح لشخص واحد يمتلك كاميرا لا بأس بها وكومبيوتر بإمكانات معقولة أن ينجز فيلماً متكاملاً، وإن كانت مشكلة رداءة الصوت تواجه معظم الأفلام من الناحية التقنية.

 أضافت الثورة خلال سنواتها الثلاث العديد من المصوّرين والمخرجين إلى صفوف العاملين في السينما السورية. ولكننا بحاجة إلى أن نقف وننظر بجدية إلى ما وصلت إليه هذه السينما الوليدة البديلة بعد ثلاث سنوات.

كانت السنة الأولى سنة الاحتفاء بأي فيلم أو فكرة ثورية لما يتطلّبه إنجازها من شجاعة بغض النظر عن مستواها الفني. وكانت الأفلام عامة تحية للمظاهرات السلمية التي عمّت البلاد، أو رواية لما واجهته الثورة السلمية من قمع وقتل وتنكيل. وكان الاحتفاء بالأفلام يشمل حتى أشد النقّاد والمخرجين تمسكاً بأصول فن السينما.

شهدت السنتان الثانية والثالثة، خروج عدد كبير من السوريين وتهجيرهم خارج بلدهم أو مناطقهم. وفي هذين العامين تعددت التجارب وتشعبت، ويمكن القول إن "سينما الثورة" التي أنتجت في هذين العامين تنقسم إلى نوعين: سينما حقيقية وسينما استسهال.

 ما يميّز السينما الحقيقية هو أنها تُنجز تحت خطر الموت أو الاعتقال في المناطق المحاصرة أو مناطق الاشتباكات أو تحت أنظار القناصة وخطر البراميل. ومع ذلك فإننا نرى في معظم المحاولات التي تندرج تحت هذا الإطار، سعياً دائماً للتطوّر، ومحاولة دائمة للخروج بمستوى صورة لائق، رغم الصعوبات الجمّة التي تواجه صانعيها، من إدخال معدّاتهم وإخراجها إلى الداخل السوري، إلى نقل المواد المصوّرة إلى أماكن آمنة لمونتاجها. وقد توّجت نماذج من هذه التجارب بجوائز مشرفة في مهرجانات عديدة حول العالم. 

أما سينما الاستسهال فإن الطابع العام الذي يخيّم عليها هو أن معظم أفلامها تقوم على فكرة حمل صانع الفيلم لكاميرا والذهاب إلى أحد المخيمات حيث يصوّر أطفال المخيّم بطريقة لا تخلو من الـ"كليشيه" ويقوم بمونتاجها كيفما اتفق ووضعها على الأنترنت. وقعت في مطبات مشابهة بنية الريبورتاج الصحافي. وإحدى القصص التي لا تغتفر والتي سمعتها أخيراً أن أحد المصورين خاب أمله عندما ذهب إلى مخيم في الشتاء ووجد أن الأطفال يرتدون جزمات جديدة فطلب منهم خلعها وصوّرهم حفاة الأقدام. 

غياب السينما الروائية
غابت في السينما السورية الجديدة السينما الروائية لصالح التسجيلية، فلا تكاد تسجّل الأولى أكثر من عشرة أفلام في ثلاث سنوات في حين قد يصل الرقم إلى آضعاف في الحالة الثانية. وكانت هذه الظاهرة طبيعية ومفهومة، فما خلق الحاجة إلى التصوير أصلاً هي الرغبة في التوثيق، بالإضافة إلى حاجة السينما الروائية عامة إلى ميزانيات أكبر وإلى فريق عمل أكبر وإلى خبرات أكثر. وعمت السينما القصيرة وكادت تختفي السينما ذات الأفلام الطويلة للأسباب السابقة ذاتها.

تعاملت الأوساط النقدية مع السينما الجديدة بتسامح نادر المثال، وتجنّب النقاد انتقاد هذه الأعمال فنياً احتراماً لثوريتها، وهي مرحلة لابد من تجاوزها إن أردنا أن نبني سينما مستقبلية ذات مستوى. فاحترام الجهد أو الخطر الذي يعرّض صانعو الأفلام أنفسهم له لا يعني أبداً القبول بمستويات فنية متدنية. ولا يمكن اعتبار أعمال لا يمكن تصنيفها تحت فئة الفيلم السينمائي، أفلاماً، فقط خجلاً ممن قاموا بتنفيذها، ومن غير المقبول أيضاً حالة استدرار العواطف الرخيصة التي تطبع أغلب الأفلام التي تناولت اللاجئين السوريين في مخيّمات اللجوء، والخلط الرهيب بين "السكيتش" الإعلاني الذي يجمع التبرّعات للاجئين السوريين بالفيلم السينمائي. 

ولابد من القول بأن هناك سينما "رسمية" أو "شبه رسمية" استمرّ في صنعها المخرجون الذين لم ينحازوا إلى ثورة شعب بلدهم وإن قام أحدهم بتناول ما جرى في فيلمه فإنه يتناوله من وجهة نظر تفترض أن ما يجري "أزمة" أو "مؤامرة"، وعلى كل لم تخرج هذه السينما عن سقف ومظلة العقلية السلطوية.  

إن أهم ميزات السنوات الثلاث الماضية على الصعيد السينمائي هو رفد الساحة السينمائية بشباب ذوي حماسة وحرارة وإيمان بقضية شعبهم، يحاولون إيصال صوتهم وصوت أهلهم ومحيطهم من خلال الكاميرا، والحقيقة أن بعضهم نجح في إنجاز لحظات لا تُنسى وذات سوية سينمائية مذهلة. 

التحية واجبة لكل من تعرّض للأذى وهو يحاول التقاط لحظة. والاحترام واجب للسينمائيين المحترفين الذين انضموا إلى الثورة وأنجزوا أفلاماً عنها، والتشجيع واجب للمنتجين ورؤوس الأموال للاستثمار في السينما السورية الجديدة. والمجد لشهداء سينما الثورة في العام الثالث على اندلاعها.

نشر في جريدة المدن: الخميس 13-3-2014