كتب ياسين الحاج صالح في موقع الجمهورية
مقالًا بعنوان "تحديق في وجه الفظيع". http://aljumhuriya.net/33487
قال في مقدمته:
بين المهتمين بالصورة في سورية سجال
متموج، يشبُّ حيناً ويخبو حيناً، حول عرض صور الأجساد المحطمة أو المحروقة،
والأشلاء وفديوهات التعذيب ومشاهد القتل، أو عموماً حول صور السوريين في انكشافهم
الكبير على أنفسهم وعلى العالم طوال 50 شهراً ونيف. قبل شهور نشر «أبو نضارة»،
وهو تجمع سينمائيين سوريين ينتج فيلماً قصيراً واحداً كل أسبوع، بياناً أدان فيه
«تمريغ كرامة» الناس «من خلال عرض صور أجسادهم المعذبة على شاشات العالم دون
موافقتهم، الأمر الذي يسيء لكرامة السوريين والإنسانية جمعاء»، وبنى على ذلك مبدأ
«حق الإنسان في صورة كريمة أياً كانت الظروف». وأطلق التجمع أيضاً مبادرة عنوانها:
صورة السوري ما بتنذل! والعنوان مبني، مثلما هو معلوم، على غرار شعار رفع في تجمع
احتجاجي باكر في دمشق قبيل الثورة، وهتف فيه المتجمعون: الشعب السوري ما بينذل!
ذكرني هذا المقال
والجدل الذي طرحه، بلقاء شاهدته مرة مع المخرج الأمريكي "أوليفر ستون"
حول فيلمه "قتلة بالفطرة"، حيث كان المذيع يتهم الفيلم بأنه شديد العنف
بل يروج للعنف والكراهية. واستوقفني وقتها طويلًا رد أوليفر ستون، وصرت أذكره كلما
شاهدت فيلم أكشن أمريكي، إذ قال فكرة مفادها أنه يعتبر أن من يروج للعنف هو من
يجعل الموت على الشاشات يبدو سهلًا، فبطلقة واحدة ودون ألم يتساقط العشرات في كل
فيلم حركة نشاهده اليوم على الشاشات، فيما أراد ستون في فيلم قتلة بالفطرة أن يوضح
بشاعة العنف من خلال الخوض في تفاصيله، فاستسهال الأفلام للرصاصة التي تقتل تؤدي
إلى استسهال المجتمع للعنف.
وهذه الفكرة
تقودنا إلى أسئلة كثيرة، وهي كيف نستخدم صور الثورة السورية المستمرة في العمل
الفني؟ هل ننسخها كما هي؟ أم نقدم معالجة لها؟ أم نصفع العالم بها (وهو ما فعله
فيلم ماء الفضة على سبيل المثال)؟ أم نهضمها ونعيد إنتاجها؟ ماذا نفعل بكم هائل من
الصور انسكب علينا ليعيد تعريف كل شيء في أعيننا؟ فما هي الإنسانية والكرامة وحقوق
الإنسان في ظل أن العالم يعلم ما يجري في المعتقلات ولا يفعل شيئًا لإيقاف هذه
المجزرة العلنية اليومية؟
أعتقد أن أولى
مسؤولياتنا اليوم كعاملين في المجال الفني هي تجميع أكبر قدر ممكن من القصص
والصور، كي لا يطويها النسيان، وألا ننسى أن الصور في الفن ليست لاستخدامها اللحظي
فقط، بل هي لنعيد إنتاجها لاحقًا بعد أن نرى الزاوية التي نريد أن نتناولها منها.
هنا أرغب أن أورد
مثالًا شخصيًا: لم أستطع يوميًا، أن أستمع إلى قصص التعذيب في سجن تدمر الرهيب،
وتجنبت لسنوات طوال أن أتواجد في جلسة من هذا القبيل، رغم أنها كانت تحدث بتواتر
غير قليل في محيطي، كما أحجمت بعد الثورة عن سماع تفاصيل التعذيب من أصدقائي الذين
تعرضوا له، ولكن بحثت دومًا، لإحساسي بعجزي وضعفي عن سماع تلك القصص عن جانب آخر
من الحكاية، والميزة هي أنني حصلت على كم من الصور لا يمكن أن أنساه في حياتي،
أحدها أن معتقلًا "بالخطأ" ظل في سجن تدمر 14 عامًا، وبعدها نقل إلى سجن
صيدنايا، وعند وصوله إلى "السجن المرفه" قدم له أحدهم كأس شاي، فرأى
وجهه للمرة الأولى بعد 14 عامًا فلم يتعرف إلى نفسه، ومنها أن صديقي علم رفيقه
الأمي في الزنزانة القراءة والكتابة من خلال استخدام قطعة صابون على بطانية، وأن صديقًا
لم يعد يستطيع سماع صوت اللكم حتى في الأفلام بعد خروجه. كل هذه الزوايا التي تخرج
عن الجثة الممزقة، ولا تخرج في آن، هي حق للضحية، حق للضيحة في تسجيل ما واجهته من
ظلم وحيف وجور، وواجب الفنان هو البحث عن هذه القصص واختزانها وإعادة إنتاجها.
أما ما كان
إشكاليًا من الصور كالصور المسربة ل11 ألف معتقل، أو صور الأشلاء تحت الأنقاض، أو
الفيديوهات المسربة للتعذيب، والأكثر إشكالية على الإطلاق، صور الأطفال ضحايا
المجازر الذين بالوا في ثيابهم من الرعب، فأجد أن استخدامها المباشر قد يكون صعبًا
لأنها تفوق استطاعة البشر على الاحتمال، ولكن ذلك يحمل الفنان مسؤولية إضافية،
بضرورة مشاهدة هذه الصور -رغم قسوة المهمة التي تشبه ابتلاع سكين- وحفظها جيدًا كي
لا يضيع حق الضحية في تسجيل ما شهدته، وربما يمكن إيجاد صيغ فنية في المستقبل
لإعادة إنتاج هذه الصور في سياق يمكن عرضه من خلالها على الشاشات، ولكن التكتم على
مثل هذه الصور من باب احترام الضحايا سيجعلهم يضيعون بين آلاف الجثث، ويفقدهم
إنسانيتهم التي لم يبق لهم منها إلا حقهم بالاعتراف بما ارتكب بحقهم.
لابد من الإشارة
هنا، أن الجرائم الداعشية المصورة بتقنيات هوليوودية، تحمل في طياتها جانبًا من
الجدل الذي نخوضه، فالذعر العالمي من داعش سببه بالدرجة الأولى هذه الأفلام التي
لا يوجد في أحدها جريمة لم ترتكب من قبل النظام، لكن الفارق الوحيد بين الجريمتين
هو الوثيقة العلنية. وهذا ما يجب لنا التفكر فيه حين نطالب بإخفاء صور من باب
احترام الضحايا.
ورغم أن العالم
الغربي لم يتفاعل مع الثورة السورية بالقدر الذي ارتجاه السوريون إلا أننا يجب أن
لا ننسى أن فيديوهات اليوتيوب التي سجلها أبطال شجعان هي ما حركت مظاهرات داعمة
للثورة في سنتها الأولى في كل أنحاء العالم.
لا صوت للضحية
إلا في التوثيق، ولا كرامة ولاحق للإنسان السوري بعد كل ما ارتكب بحقه إلا صورته
المتبقية. فهل من حقنا أن نسلبه هذا التعبير الأخير؟
لينك مقال "تحديق في وجه الفظيع": http://aljumhuriya.net/33487
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق