منذ استلام حافظ الأسد للسلطة في العام 1970، اعتادت العصبة الأسدية على
إدارة شؤون الأسرة بشكل سري للغاية، وعلى ألا يتسرب من شؤونها إلى العامة رسميًا
أي خبر. واعتاد السوريون على مر السنوات الخمسين الثقيلة على تناقل الإشاعات،
وتكهن ما يجري داخل العائلة الحاكمة، وعلى نقل أخبار شفهية من مصادر
"موثوقة" ومن "دوائر مقربة"، دون أن يحصلوا يومًا على تأكيد
أو نفي رسمي.
سمعنا على مر السنوات الكثير من الهمسات حول رفض حافظ الأسد أو ابنه باسل لزواج
بشرى من آصف شوكت، وروايات لسبب غياب زوجة الأسد الأب أنيسة عن الساحة تمامًا بعد
أن رافقته في بداية حكمه في زيارات رسمية، ولم تفسر أي رواية سبب تغييبها الكامل
منذ الثمانينيات عن أي مناسبة، كما انتشرت إشاعات عن مرض حافظ الأسد ورويت قيلًا
عن قال دون أي تأكيد سوى اصفرار لون وجهه ونحوله عامًا بعد عام.
في فترة حكم الأسد الابن، انتشرت الشائعات عن أن بشار يرغب في الإصلاح
والتحديث، فيما يتمسك أخرون في العائلة بالعنف والقمع كوسيلة وحيدة للحكم. وأما
بعد الثورة فقد انتشرت روايات عديدة عن خلافات أسرية وخلافات سياسية وعن تمزق في
نسيج الأسرة.
خرجت العصبة الأسدية عن عادتها في التكتم على ما هو خاص عدا الجنازات والظهور
المخصص لوسائل الإعلام الأجنبية خلال خمسين عامًا مرتين فقط، ولهاتين المرتين
دلالات عديدة يمكننا التأمل فيها وفي أسبابها، ولكن الملفت في الحالتين هو كسر
تقليد صارم فرض منذ العام 1970، وهو أن ما يجري داخل الأسرة يتم التعامل معه بسرية
تامة ودون الخروج به إلى العلن.
كانت المرة الأولى والخروج الأكبر عن عادة الأسديين في التكتم هي إعلان
إصابة أسماء الأسد بالسرطان، ونشر صورتها وهي في المشفى العسكري تتلقى العلاج وإلى
جانب سريرها يجلس زوجها ممسكًا بيدها مساندًا على وسائل التواصل الاجتماعي. أما
المرة الثانية فهي خروج رامي مخلوف ابن خال بشار الأسد بفيديوهات علنية على
الفيسبوك ليناشد بشار بإعادة النظر في الضرائب المفروضة على شركته.
عندما تم الإعلان عن مرض أسماء الأسد، كانت المعارك وتغطيتها الدولية قد
تجاوزت تمامًا وجود بشار الأسد في السلطة، وتحولت التغطية الإعلامية لسوريا إلى
شقين، شق حربي يتناول الفصائل المتحاربة على الأرض ويعدد الضحايا، وشق سياسي تجري
كواليسه بغياب كامل للنظام السوري، وتتصدر روسيا في الحالتين الخبر السوري، وكانت
صورة بشار الأسد الدولية تحولت إلى مرادف للمجرم القاتل والديكتاتور. كان لنشر خبر
مرض أسماء الأسد مع الصورة التي رافقته دور هام في إعادة بشار الأسد إلى ساحة
الإعلام الدولي ومن زاوية جديدة، تهدف إلى إعادة تطبيع وجوده وإلى أنسنته في الوقت
نفسه، إذ يتحول في نظر الرائي ولو للحظة إلى الزوج المتألم المتعاطف، ويبدو أن
شركات العلاقات العامة التي تدير صورة الزوجين لا تزال تعمل بالمنطق الذي عملت على
تقديمهما فيه للغرب في بداية فترة حكمه، ولكن الاستثناء هنا أن الصورة لم تكن
موجهة للغرب فقط وإنما لجمهور الداخل السوري على حد سواء. قد يبدو غريبًا على
الأسدية إظهار أي شكل من أشكال الضعف، ولا سيما المرض، ولكن الإعلان عن مرض أسماء
الأسد سرعان ما تحول إلى حكاية "انتصار" على السرطان شبهتها أسماء الأسد
نفسها في لقائها اليتيم مع التلفزيون السوري في آب 2019 "بانتصار" سوريا
على الإرهاب. ولعل المعرفة بمسار المرض ودرجة الإصابة هي ما سمح بهذا التجاوز
الهائل في السرية الأسدية.
في الحالة الثانية، يسجل رامي مخلوف فيديو أول يخاطب به "السيد
الرئيس" وليس ابن عمته ويطالبه بإعادة النظر في الضرائب الجائرة التي فرضت
على شركته ثم يرجوه إن كان لابد من دفع المبلغ أن يعطيه للفقراء والمحتاجين من المجوعين
من قبل "طاقم" أشخاص سيئين يخفون الحقيقة عن "السيد الرئيس". وتجدر
الإشارة إلى أن الإشاعات التي تتحدث عن خلافات بين بشار ورامي أو بين بيت مخلوف
وبيت الأخرس (عائلة زوجة الأسد) أو بين رامي وأسماء نفسها، يتم تناقلها قيلًا عن
قال وعلى وسائل التواصل الاجتماعي منذ سنوات.
بداية، تبدو رغبة مخلوف واضحة بكسب جانب من مؤيدي النظام أو حتى تهديد جمهور
النظام بأن الضغط عليه إلى هذه الدرجة سيؤدي إلى مزيد من التجويع بحقهم، ولعله كان
يظن أنه من الممكن أن يثير تعاطفهم إن هو طلب أن يحصلوا على نقوده.
لابد من التوقف تاليًا عندد اللغة الدينية المستخدمة في الخطاب، والتي
تستند إلى التقى والتي ترجع الفضل إلى الله وحده وتذكر بشار الأسد بأنه مستخدم من
قبل الله لخدمة البشر، وهي لغة دخيلة تمامًا على الأسديين ودوائرهم، ولكن وبسبب أن
رامي مخلوف لم يسبق أن ظهر سابقًا إعلاميًا سوى بتصريح رسمي سابق حول تحوله إلى
العمل الخيري، لايمكننا التأكد من أن هناك تحولًا في خطابه وأن هذه ليست طريقته
الأصيلة في التعبير عن نفسه.
إن ما يمثل الخروج عن التراتبية الأسدية والطريقة السرية في العائلة هو
توجه رامي مخلوف إلى الرئيس وكأنه ليس فردًا من العائلة، وكأنه يمتلك هذه الثروة
والأعمال ليس بصفته جزءًا من العصبة الحاكمة، وكأنه لايستطيع – ويبدو أنه في الظرف
الحالي كذلك – الاتصال ببشار الأسد ولا يمكنه الوصول إليه إلا على الملأ وعلنًا.
تتكرر في الفيديو الأول لمرات عديدة كلمة الدولة، ولا يبدو واضحًا ما الذي
يقصده مخلوف بكلمة الدولة، فتارة يستخدمها للحديث عن الحكومة وتارة عن اللجنة التي
طلبت منه الضريبة وأخرى عن القطاع العام الشريك له في شركاته ولكن يبدو واضحًا أنه
يقصد النظام عندما يشير إلى أن الضرائب التي تدفعها شركاته ساهمت "في بناء
هالدولة"، مما قد يبدو تلميحًا إلى دور ما يدفعه في ترسيخ النظام وقدرته
الشرائية في السنوات الماضية، كما يذكر الأسد بأن انسحابه من الحياة العامة في العام 2011 كان لتجنب "إحراج" بشار
الأسد وكي لا يتحول رامي إلى "عبء عليه".
من الملفت أيضًا استخدام مخلوف لكلمتي القهر والظلم، ولعله كان يظن بذلك
أنه يتماهى بذلك مع من يعرفون ظلم وتجبر بل وتشبيح "السيئين"، ولكن ذلك
التحليل إن صح يدل على سذاجة شديدة من قبله ولا سيما أنه ممن وجهت ضدهم هتافات
خلال الثورة بالاسم وأنه معروف بلقب الحرامي.
رغم التواضع الشديد الذي يزعمه مخلوف في الفيديو، يبدو واضحًا اعتداده
الشديد بدوره ومكانته ومكانة شركاته وقدرته على المساهمة في اقتصاد سوريا، ويبدو
أنه يبشر أن انهيار شركاته لن يكون بمصلحة أحد، وربما هنا أيضًا يقصد النظام وليس
البلد.
قد تكون الرسالة المرجوة ليست
موجهة إلى من تتم مناشدته في الفيديو، قد يكون محاولة يائسة لتوسيط طرف ثالث،
وعندها يصبح اللجوء إلى العلنية مبررًا أكثر، ولو أن الوساطات عادة ما تتم تحت
الطاولة وبسرية.
يبدو رامي مخلوف بظهوره هذا خارج العصبة الأسدية ولعل هذا هو الهدف الأول
والأخير من هذا الظهور العلني، ولكنه بالمقابل لا ينفصل عنها، إذ لا يوجد أي إشارة
في أن هذا الفيديو "انشقاق" بشكل أو بآخر عن النظام وإنما ببساطة هو إعلان
عن الخلاف وتحميل مباشر لمسؤولية حله لبشار الأسد شخصيًا.
يظهر رامي مخلوف بعد يومين من الفيديو الأول بتسجيل ثان أكثر مباشرة وربما
أكثر يئسًا، ولكن تحليل معنى رسالته لا يمكن أن يكتمل إلا بمعرفة مكان تسجيله، إذ
يبدو الفيديو إعلانًا صريحًا لمعركة لن يخرج منها مخلوفًا إلا قتيلًا أو منتصرًا
في حال كان ما يزال في سوريا، أما إن كان خارجها فإن المناورات المتاحة أكبر
وأوسع، والسيناريوهات المطروحة تكون أكثر تعددًا.
لا بد من التوقف عند نقطتين أساسيتين في الفيديو، الأولى هي اعتراف رامي
مخلوف بدعمه المباشر للمخابرات السورية و"رعايته" لها، والاعتراف أيضًا
بأن شركات الاتصالات التابعة له قامت بدورها لخدمة الأمن والجيش، وهو إثبات على ما
كان متوقعًا من مراقبة أجهزة الموبايلات واختراق خصوصية المشتركين. أما الثانية
فهي أن انتهاك الأجهزة الأمنية لحريات الناس في نظر مخلوف يبدأ اليوم بالتعدي على
الموالين وجمهور الأسد. وفي هاتين النقطتين بالذات خروج غير مسبوق على الأعراف
المافيوية التي تحكم العصبة الأسدية، إذ لم يصح يومًا أن يعترف أي منهم بما فعل أو
بما يعرف، ولم يحصل يومًا أن يقوم أي من المقربين من الأسديين بتناول الأجهزة الأمنية
وممارستها علنًا ولعلنا نستنتج من هذه النقطة أن الشقاق لا عودة عنه ولا صلح بعده.
يبدو واضحًا في الفيديو أن خصم مخلوف ليس الأجهزة الأمنية بل السلطة نفسها،
أي قلب العائلة الأسدية - ولو أنه ما زال يتجنب المواجهة المباشرة مع بشار الأسد
نفسه -، ويعلن مخلوف هنا بوضوح عدم استعداده للانسحاب والتنازل بل ويعلن المعركة
تحت عنوان "المنعطف المخيف" ويبشر "بعقاب إلهي" في حال تعنت
النظام وإصراره على انسحاب مخلوف.
نهاية لا يمكن الجزم بأن حالتين فرديتين يمكن اعتبارهما دليلًا على تغير
نمط العقلية الأسدية لصورة العائلة الحاكمة، إذ تبدو الحالة الأولى مناورة علاقات
عامة والثانية محاولة إعادة بناء للصورة في ظرفين يائسين، ولكن النتائج المرجوة من
الظهورين قد لا تأتي أكلها بالنسبة للعائلة بعد أن تعود السوريون على عدم تصديق أي
ما يصدر عنهم ليس فقط منذ اندلاع الثورة بل منذ استلام الأسد الأب للسلطة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق