بدأت الثورة السورية قبل أعوام ثلاثة، ثورة سياسية تزامنت بشكل كامل مع ثورة في الصورة. تلك الصورة، كانت وسيلة الثوار الوحيدة لإسماع صوتهم للعالم. هي ما يلتقطونه عبر هواتفهم النقالة وينشرونه على صفحات التواصل الاجتماعي على الإنترنت. هذه الصور، التي يوجد منها اليوم مئات الآلاف وهذه الأفلام التي يوجد منها الملايين ربما، أودت بحياة الكثير من مصوّريها وبناشريها إلى المعتقلات إذ اعتبر النظام "جريمتهم" أشد الجرائم وأخطرها.
وما كان لهذه الثورة السينمائية أن تكون متاحة لولا التطور التقني الهائل الذي سمح لشخص واحد يمتلك كاميرا لا بأس بها وكومبيوتر بإمكانات معقولة أن ينجز فيلماً متكاملاً، وإن كانت مشكلة رداءة الصوت تواجه معظم الأفلام من الناحية التقنية.
أضافت الثورة خلال سنواتها الثلاث العديد من المصوّرين والمخرجين إلى صفوف العاملين في السينما السورية. ولكننا بحاجة إلى أن نقف وننظر بجدية إلى ما وصلت إليه هذه السينما الوليدة البديلة بعد ثلاث سنوات.
كانت السنة الأولى سنة الاحتفاء بأي فيلم أو فكرة ثورية لما يتطلّبه إنجازها من شجاعة بغض النظر عن مستواها الفني. وكانت الأفلام عامة تحية للمظاهرات السلمية التي عمّت البلاد، أو رواية لما واجهته الثورة السلمية من قمع وقتل وتنكيل. وكان الاحتفاء بالأفلام يشمل حتى أشد النقّاد والمخرجين تمسكاً بأصول فن السينما.
شهدت السنتان الثانية والثالثة، خروج عدد كبير من السوريين وتهجيرهم خارج بلدهم أو مناطقهم. وفي هذين العامين تعددت التجارب وتشعبت، ويمكن القول إن "سينما الثورة" التي أنتجت في هذين العامين تنقسم إلى نوعين: سينما حقيقية وسينما استسهال.
ما يميّز السينما الحقيقية هو أنها تُنجز تحت خطر الموت أو الاعتقال في المناطق المحاصرة أو مناطق الاشتباكات أو تحت أنظار القناصة وخطر البراميل. ومع ذلك فإننا نرى في معظم المحاولات التي تندرج تحت هذا الإطار، سعياً دائماً للتطوّر، ومحاولة دائمة للخروج بمستوى صورة لائق، رغم الصعوبات الجمّة التي تواجه صانعيها، من إدخال معدّاتهم وإخراجها إلى الداخل السوري، إلى نقل المواد المصوّرة إلى أماكن آمنة لمونتاجها. وقد توّجت نماذج من هذه التجارب بجوائز مشرفة في مهرجانات عديدة حول العالم.
أما سينما الاستسهال فإن الطابع العام الذي يخيّم عليها هو أن معظم أفلامها تقوم على فكرة حمل صانع الفيلم لكاميرا والذهاب إلى أحد المخيمات حيث يصوّر أطفال المخيّم بطريقة لا تخلو من الـ"كليشيه" ويقوم بمونتاجها كيفما اتفق ووضعها على الأنترنت. وقعت في مطبات مشابهة بنية الريبورتاج الصحافي. وإحدى القصص التي لا تغتفر والتي سمعتها أخيراً أن أحد المصورين خاب أمله عندما ذهب إلى مخيم في الشتاء ووجد أن الأطفال يرتدون جزمات جديدة فطلب منهم خلعها وصوّرهم حفاة الأقدام.
غياب السينما الروائية
غابت في السينما السورية الجديدة السينما الروائية لصالح التسجيلية، فلا تكاد تسجّل الأولى أكثر من عشرة أفلام في ثلاث سنوات في حين قد يصل الرقم إلى آضعاف في الحالة الثانية. وكانت هذه الظاهرة طبيعية ومفهومة، فما خلق الحاجة إلى التصوير أصلاً هي الرغبة في التوثيق، بالإضافة إلى حاجة السينما الروائية عامة إلى ميزانيات أكبر وإلى فريق عمل أكبر وإلى خبرات أكثر. وعمت السينما القصيرة وكادت تختفي السينما ذات الأفلام الطويلة للأسباب السابقة ذاتها.
تعاملت الأوساط النقدية مع السينما الجديدة بتسامح نادر المثال، وتجنّب النقاد انتقاد هذه الأعمال فنياً احتراماً لثوريتها، وهي مرحلة لابد من تجاوزها إن أردنا أن نبني سينما مستقبلية ذات مستوى. فاحترام الجهد أو الخطر الذي يعرّض صانعو الأفلام أنفسهم له لا يعني أبداً القبول بمستويات فنية متدنية. ولا يمكن اعتبار أعمال لا يمكن تصنيفها تحت فئة الفيلم السينمائي، أفلاماً، فقط خجلاً ممن قاموا بتنفيذها، ومن غير المقبول أيضاً حالة استدرار العواطف الرخيصة التي تطبع أغلب الأفلام التي تناولت اللاجئين السوريين في مخيّمات اللجوء، والخلط الرهيب بين "السكيتش" الإعلاني الذي يجمع التبرّعات للاجئين السوريين بالفيلم السينمائي.
ولابد من القول بأن هناك سينما "رسمية" أو "شبه رسمية" استمرّ في صنعها المخرجون الذين لم ينحازوا إلى ثورة شعب بلدهم وإن قام أحدهم بتناول ما جرى في فيلمه فإنه يتناوله من وجهة نظر تفترض أن ما يجري "أزمة" أو "مؤامرة"، وعلى كل لم تخرج هذه السينما عن سقف ومظلة العقلية السلطوية.
إن أهم ميزات السنوات الثلاث الماضية على الصعيد السينمائي هو رفد الساحة السينمائية بشباب ذوي حماسة وحرارة وإيمان بقضية شعبهم، يحاولون إيصال صوتهم وصوت أهلهم ومحيطهم من خلال الكاميرا، والحقيقة أن بعضهم نجح في إنجاز لحظات لا تُنسى وذات سوية سينمائية مذهلة.
التحية واجبة لكل من تعرّض للأذى وهو يحاول التقاط لحظة. والاحترام واجب للسينمائيين المحترفين الذين انضموا إلى الثورة وأنجزوا أفلاماً عنها، والتشجيع واجب للمنتجين ورؤوس الأموال للاستثمار في السينما السورية الجديدة. والمجد لشهداء سينما الثورة في العام الثالث على اندلاعها.
نشر في جريدة المدن: الخميس 13-3-2014
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق