في زياراتي الأخيرة لبيروت، كنت أحوم حول الكتاب، وأنا اشتهي قراءته، ولكنني كنت أخشى من إعادته معي إلى دمشق، وعبور الحدود به. هذه المرة، طالت إقامتي، ذهبت إلى المكتبة واشتريت “بالخلاص ياشباب!” لياسين الحاج صالح.
وإذ كنت متحمسة جداً لقراءة الكتاب، فقد باشرت فوراً، قرأت المقدمة ومن ثم مقطع “وقائع أساسية”، الذي انتهى بجملة، جعلتني أغلق الكتاب ولا أعود إلى قراءته إلا بعد عدة أيام، الجملة كانت: قضيت في السجن 16 عاماً و14 يوماً. (ص14).
وكان أكثر ما آلمني وجعلني أترك الكتاب، تفصيل غريب، لقد جرحني أن هذه الجملة لم تنته بإشارة تعجب، بل بنقطة.
عدت إلى الكتاب لاحقاً وأنا أتوجس مما تولده في نفسي قراءة تجارب السجناء السياسيين سابقاً، ومن الخوف الذي استرجعه حاضراً عندما أسمع تفاصيل الحكايا التي جرت “هناك” في العالم الوحشي.
لكن الكتاب، بدل أن يعيد إلي تلك المشاعر، أدهشني من عالم استطاع الكاتب أن يؤنسنه رغم وحشيته، وأن ينقل لنا بصيص الأمل فيه بدل سوداويته، وأن يعلمنا كيف يستطيع الإنسان أن يطوع أبشع التجارب لتتحول إلى تجربة استفادة.
وكان أكثر ما جعلني أرفع القبعة احترماً، هو التواضع الذي انطوت عليه تلك الصفحات، والإنسانية التي صورت الكاتب ورفاقه على أنهم بشر لا أبطال خارقون.
لم تطل من الكتاب شخصية لا تهاب شيئاً، بل أطل أشخاص عاشوا تجربة أشد قسوة من الخيال، وعاشوها برعبها وألمها ولحظات سعادتها المسروقة وما حملته من تعلم وإعادة استكشاف دواخل.
أنهيت قراءة الكتاب، وفي نفسي راحة غريبة، وأمل أكبر بمستقبل قريب، تطوى فيه هذه الصفحة الأليمة والمشينة من تاريخنا، صفحة الاعتقال السياسي والتغييب القسري. وفي روحي احترام عميق، لكل من عاش هذه التجربة، وعاد منها ليعيش الحياة بحب، لا لينتقم من أشباح الماضي التي تطارده.
و”بالخلاص ياشباب!”.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق